الوطن العدنية/وضاح الحريري
لم يعد المواطن الجنوبي يسمع فقط عن أزمات الاقتصاد وانهيار العملة، بل أصبح يعيشها في تفاصيل حياته اليومية، وسط لعبة خبيثة يقودها ما بات يُعرف بـ "هوامير العملة". ففي الماضي كان الحديث يدور عن هوامير البورصة في أسواق المال العالمية، أما اليوم ففي اليمن برزت نسخة أشد خطورة وأكثر قسوة، لا علاقة لها بالاقتصاد المنظم ولا بقوانين السوق، بل بالاحتيال والنهب الممنهج.
قبل أيام روّج الصرافون إشاعة كبرى بانهيار العملة حتى يصل الدولار إلى 200 ريال فقط، فاندفع المواطنون لبيع مدخراتهم من العملة الصعبة عند حدود متدنية. وبأقل تكلفة، تمكن هؤلاء الصرافون من جمع ملايين الدولارات من الناس، خصوصًا في الجنوب، ثم أوقفوا البيع واحتكروا السوق. وها نحن اليوم أمام تلاعب صريح يظهر بوضوح في أسعار الصرف، حيث انخفض الريال السعودي خلال يوم واحد من 425 إلى 290 ريالًا، فيما هبط الدولار من 1617 إلى 1103 ريال. هذه الفجوة الخيالية لم تكن نتيجة حركة طبيعية للسوق، بل كانت عملية نهب منظم لأموال المواطنين، لعب فيها الوهم والدعاية دورًا أساسيًا.
الأدهى أن هذا التلاعب يجري تحت غطاء رسمي مزيف، عبر ما يسمى نشرات البنك المركزي التي يتم التلاعب بها والتزوير باسمها. إنها لعبة قذرة تنتهجها أدوات حزبية داخل الشرعية في عدن، لا هدف لها سوى خدمة مصالح ضيقة وتغذية الفوضى المالية، بل إن نتائجها تصب في خدمة الحوثي الذي يراقب الانهيار ويستفيد من تدمير الثقة بالمؤسسات المالية في الجنوب.
ما يجري لم يعد مجرد مضاربة في السوق، بل عملية متكاملة لابتلاع مدخرات الناس وتجريف الاقتصاد الجنوبي، حيث يدفع المواطن ثمن هذه اللعبة القذرة في لقمة عيشه واستقراره. بينما تتضاعف ثروات هوامير العملة الذين صاروا يتحكمون بمصير الريال بقرارات خفية، يظل المواطن الجنوبي ضحية الخديعة والنهب.
إن استمرار هذا العبث دون تدخل حقيقي ورقابة صارمة يعني أن أموال الجنوبيين ستظل هدفًا سهلًا لهؤلاء المتلاعبين، وأن الاقتصاد لن يعرف طريق التعافي. وما لم تُكبح هذه العصابة المالية وتُقطع خيوط التزوير باسم البنك، فإن الجنوب سيبقى عالقًا في دوامة الفقر والجوع، رهينة لهوامير العملة الذين جعلوا من حياة الناس جحيمًا يوميًا.