الوطن العدنية/مقال لـ”محمد الجنيدي”
إن الطرح القائل بعدم عدالة صيغة المناصفة في الحكومة المقبلة، استنادًا إلى معطيات المرحلة الراهنة، قد يبدو في ظاهره وجيهًا إذا ما جرى الاحتكام فقط إلى معيار السيطرة على الأرض. غير أن تبني هذا المنطق من باب الاستقواء بالواقع العسكري أو الميداني، لا يعني سوى إسقاط جوهر المناصفة ذاته، والتخلي عن مبدأ الندية الذي يُعد ركيزة سياسية وقانونية أساسية، ويعكس وجود شراكة قائمة بين طرفين توافقا على صيغة حكم محددة، لا يغلب فيها منطق القوة على منطق التوافق.
قد لا تكون صيغة المناصفة، في ميزان اللحظة الراهنة، منصفة من حيث الحسابات العددية أو الجغرافية، لكنها تظل عادلة متى ما تم التعامل معها كمسار ثابت وضامن للمستقبل، وكإطار يحمي الحقوق ويصون الشراكة للأجيال القادمة. فالاستقواء اليوم، حتى وإن بدا ممكنًا أو مغريًا، يبعث برسائل خاطئة مفادها أن منطق القوة هو الحاكم، لا منطق الحق. والتاريخ القريب والبعيد يعلمنا أن الظروف التي تخدمك اليوم قد تنقلب عليك غدًا، إذا ما تخلّيت عن الثوابت العادلة والضمانات الآمنة التي تحمي الجميع في أوقات التحول.
إن الشواهد الوطنية كثيرة وتدعو بوضوح إلى التمسك بالثوابت الجامعة التي تحفظ الحاضر وتصون المستقبل. ولعل من أبرز تلك الشواهد ما شهده مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء، أثناء النقاشات الشاقة حول ملف القضية الجنوبية. فقد جرى آنذاك تشكيل لجنة مصغرة لمناقشة الملف، ودار جدل واسع حول تسميتها وتركيبتها، حيث طُرح أن تكون لجنة (16) بغالبية جنوبية، غير أن الفريق المحاور رفض ذلك الطرح، وأصر على ترسيخ مبدأ المناصفة والندية، ليتم التوافق في نهاية المطاف على صيغة (8 + 8). وكانت تلك سابقة تاريخية انتزع فيها الجنوب صيغة المناصفة، وهي الصيغة التي لا تزال حتى اليوم تشكل ضمانة لحقوق الجنوبيين، وتحفظ في الوقت ذاته حقوق الشماليين، بعيدًا عن تقلبات المراحل ومعايير القوة والسيطرة.