مقالات وآراء

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 11:19 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/مقال لـ”منصر العزيبي”

في الشركات والمؤسسات التي تموت واقفة لا يحدث الخراب فجأة ولا يدوّي ككارثة بل يتسلّل ببطء قاتل ، هنا لا يكون الفشل خطأً إداريًا بل خيارًا استراتيجيًا مشروعًا مُدارًا بعناية تُشرف عليه لجان وتُحصّنه لوائح وتُجمّله خطابات رسمية تتحدّث بلا خجل عن الاستقرار و المصلحة العامة بينما الحقيقة أن ما يُدار ليس مؤسسة… بل عملية إطفاء ممنهجة لأي احتمال للحياة.


في هذا النموذج لا تُدار المؤسسات لتُنتج أو تتطور بل لتبقى راكدة مطمئنة بلا صوت ولا أثر، راكدة بما يكفي كي لا تُربك أصحاب القرار ومشلولة بما يكفي كي لا تطالب ، بالمحاسبة. الأداء ليس معيارًا والنتائج ليست مطلوبة ، والمهم فقط أن يبدو كل شيء تحت السيطرة حتى لو كانت السيطرة على جثة.

أخطر ما في هذا الخراب أنه لا يأتي عبر الفساد الصريح وحده بل عبر سياسة أشد دهاءً وأعمق أثرًا سياسة المساواة في الظلم سياسة تتخفّى في ثوب العدالة وتُسوَّق بوصفها إنصافًا ، بينما هي في جوهرها إعلان حرب على الكفاءة وفيها لا يُنصف أحد لكن الجميع يُعاقَب بالتساوي وتلك هي الطمأنينة الوحيدة التي تحتاجها الإدارة العاجزة.


في ظل هذه السياسة يُعاقَب المجتهد لا لأنه أخطأ بل لأنه أنجز. لأنه تحرّك دون إذن وركض أسرع مما يسمح به إيقاع المتقاعسين وكشف دون قصد أن المشكلة ليست في الإمكانيات ، بل في العقول التي تديرها هنا ، يُجلد الحصان السريع لأنه يسبق القطيع لأنه يحرج الإدارة بقدرته ولأنه يذكّرها بأن الزمن يمضي وأن الوقوف ليس حكمة بل عجزًا متقن التبرير.

أما السلحفاة في المؤسسة فتُدلّل وتُرقّى لا لكفاءتها ، ولا لحكمتها بل لولائها ، وصمتها ولقدرتها الفائقة على البقاء بلا أثر وعلى تمرير الأخطاء دون أسئلة وعلى منح الفشل غطاءً أخلاقيًا باسم الانضباط والالتزام ، وفي هذا العالم لا يُقاس الموظف بما يعرف بل بمن يعرف ولا يُكافَأ من يحلّ المشكلة بل من يدفنها بلباقة داخل تقرير لا يقرأه أحد وهكذا تتحول الإدارة من أداة تنظيم إلى جهاز تدجين ومن قيادة إلى شرطة داخلية مهمتها الأساسية كسر الفارق بين الموهوب والعادي حتى لا يطالب أحد بتغيير القواعد او بتغيير الأشخاص وهذا الأخطر ، يصبح الهدف غير المعلن هو إنتاج بيئة متوسطة خاملة لا تفرز قادة ، ولا تفضح فشلًا.

شيئًا فشيئًا تبدأ عملية الإفراغ الصامت تُستنزف العقول الحيّة عبر اجتماعات عبثية وتقييمات زائفة وملاحظات غامضة وابتسامات رسمية تخفي خوفًا مرضيًا من أي فكرة جديدة يتعلّم المبدع أن يخفّف سرعته وأن يُخفي ذكاءه وأن ينجو لا أن ينجح لا لأن ساقه انكسرت بل لأن الجري صار تهمة.
فالبعض يستقيل حفاظًا على كرامته والبعض يُقصى بنعومة والبعض يحوّل إلى شبح يؤدي الحد الأدنى كي لا يُعاقَب على الزيادة وهكذا تُجفَّف المؤسسات من عاقليها وتُترك في أيدٍ لا تملك رؤية ولا شجاعة لكنها تملك السلطة الكافية لإدامة الركود حتى يأتي اليوم الذي يبدو فيه كل شيء هادئًا على نحوٍ مريب لا خلافات لا نقاشات لا أفكار جديدة وإدارة منضبطة او موظفون ملتزمون و نتائج غائبة ويُخيّل للقيادة أنها نجحت بينما الحقيقة أنها شيّدت مقبرة للطموح مقبرة أنيقة مكيّفة ببطاقات حضور وانصراف وشواهدها موظفون أحياء… لكن أرواحهم المهنية قد غادرت منذ زمن.
وعندما يُسأل هؤلاء ببراءة مصطنعة: لماذا لا أحد يُبدع؟ يأتي الجواب الجاهز المحفوظ القاتل (نحن نعامل الجميع بالتساوي)
ولا يدركون أو يتجاهلون أن العدل ليس أن تكسر الجميع بالطول نفسه، بل أن تعترف بالفروق وتحمي الموهبة وتكافئ الجهد وتسمح لمن يملك جناحين أن يحلّق قبل أن يحوّل الركود المؤسسة إلى أثر إداري بعد عين.
نختم هنا بالقول اننا يجب ان نكون صريحين حتى النهاية فهذا الخراب ليس قدراً ولا خللًا غامضًا في المنظومة بل نتاج نماذج إدارية بعينها ما زالت تتصدّر المشهد ونماذج لا تؤمن بالقيادة بل بالسيطرة ولا ترى في الكفاءة قيمة بل تهديدًا وتخلط بين الانضباط والخضوع، وبين الاستقرار والجمود نماذج تصعد لأنها لا تُحرج أحدًا وتستمر لأنها لا تُغيّر شيئًا وتفشل لأنها لا تعرف معنى النجاح أصلًا.
هذه الإدارات لا تخطئ ثم تتعلّم بل تُخطئ ثم تُقنّن الخطأ وتحوّله إلى إجراء ثم تدافع عنه باسم الخبرة وتُسكت كل من يشير إليه باسم المؤسسية وهي لا تبني مؤسسات بل تحرس مواقعها داخلها وتتعامل مع أي عقل ناقد كخطر أمني ومع أي فكرة جديدة كتمرد يستحق العقاب.
وما لم يُكسر هذا النموذج ويُسمّى الفشل باسمه وتُنزَع القداسة عن المناصب التي تحوّلت إلى حصون للرداءة فإن سيمفونية الخراب ستستمر وستعزفها الوجوه نفسها بالنوتات نفسها أمام مؤسسات تفرغ من معناها وموظفين يؤدّون أدوارهم بلا روح وقيادات تتساءل بصدق مذهل لماذا لم يعد أحد يريد أن يبدع.
فالخراب حين يُدار لا يحتاج أعداء فقط
*(يكفيه مديرٌ مرتاح… ونظامٌ يخاف أن يستيقظ.)*