اخبار وتقارير

الجمعة - 06 فبراير 2026 - الساعة 04:17 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص




أكد رئيس مؤسسة موانئ خليج عدن، الدكتور محمد علوي أمزربه، أن تقييم تنافسية الموانئ المحورية في الاقتصاد البحري المعاصر يجب أن ينطلق من الفارق الجوهري بين “الموقع الفطري” و“المنظومة المشيدة”، مشددًا على أن الجغرافيا وكلف التشغيل تمثلان العامل الحاسم في رسم مستقبل سلاسل الإمداد العالمية.
وجاءت تصريحات أمزربه في سياق نقاش إقليمي متجدد حول مستقبل التنافس اللوجستي، على خلفية طرح للفريق ضاحي خلفان اعتبر فيه ميناء عدن “مكمّلًا إقليميًا” لا يشكل تهديدًا لميناء جبل علي في المدى المنظور، استنادًا إلى فوارق البنية التحتية والمنظومة الإدارية. غير أن أمزربه رأى أن “القراءة الفنية العميقة لسلاسل الإمداد العالمية تفرض تفكيك هذه الفرضية ومواجهتها بحقائق الجغرافيا وأرقام كلف التشغيل التي لا تجامل أحدًا”.

ضريبة المسافة والانحراف الملاحي

وأوضح رئيس موانئ عدن أن تنافسية الموانئ عالميًا ترتبط بقربها من خطوط الملاحة الرئيسية شرق–غرب، مشيرًا إلى أن السفن العملاقة المتجهة من جنوب شرق آسيا نحو أوروبا تضطر للانحراف شمالًا لدخول الخليج العربي عبر مضيق هرمز عند اختيارها الرسو في موانئ الخليج.

وبيّن أن هذا الانحراف يضيف ما يقارب 1200 ميل بحري للرحلة ذهابًا وإيابًا، ما ينعكس مباشرة على كلفة التشغيل، لافتًا إلى أن السفن من فئة الحاويات العملاقة جدًا (ULCV) تستهلك نحو 150 طنًا من الوقود يوميًا، ومع احتساب تكاليف الاستئجار والطاقم والتأمين، فإن كل رحلة “ترانزيت” تدخل الخليج بدل الرسو في عدن تتحمل كلفة إضافية تتراوح بين 250 و300 ألف دولار.

وأضاف أمزربه أن “ميناء عدن يمثل نقطة الصفر المثالية لتقليص هذه الكلف الضائعة، في عالم تُحسب فيه ربحية الشحن بالسنتيمتر المربع للحاوية”.

الأعماق وقابلية التطوير

وحول المقارنات المتعلقة بأعماق الموانئ، أوضح أمزربه أن العمق الحالي لميناء عدن يتراوح بين 14.7 و16 مترًا، وهو أقل من الغاطس المطلوب لأضخم سفن العالم، لكنه شدد على أن الميزة الحقيقية تكمن في “الجدوى الجيولوجية”.

وأشار إلى أن قاع ميناء عدن المكوَّن من ترسبات طينية رملية يمنحه قابلية عالية للتوسعة العمودية بتكاليف هندسية منخفضة، مقارنة بالموانئ الاصطناعية التي تتطلب أعمال جرف صخري وصيانة مستمرة ومكلفة. وأكد أن الوصول إلى أعماق تتراوح بين 18 و20 مترًا “ليس عائقًا تقنيًا، بل قرارًا استثماريًا”، وبمجرد تحقيقه ستصبح عدن قادرة على استقبال سفن بسعة 24 ألف حاوية، مع انخفاض كلف الصيانة الدورية.

الترانزيت والسيادة اللوجستية

وفيما يتعلق بدور عدن في منظومة الشحن العالمية، رفض أمزربه حصر الميناء في كونه “مكمّلًا إقليميًا”، معتبرًا ذلك تجاهلًا لمفهوم “الميناء المحوري”. وأكد أن موقع عدن يؤهله ليكون مركزًا رئيسيًا لإعادة شحن الحاويات نحو البحر الأحمر وشرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية، دون الحاجة لإدخال السفن الأم إلى “عنق الزجاجة” في مضيق هرمز.

كما أشار إلى أن وقوع عدن خارج نقاط الاختناق الجيوسياسية يجعله خيارًا أكثر أمانًا لسلاسل الإمداد في أوقات الأزمات، وهو عامل تأخذه شركات التأمين العالمية بعين الاعتبار عند تقييم المخاطر وكلف الشحن.

قاطرة للاقتصاد الوطني

وأكد رئيس موانئ عدن أن استعادة الميناء لدوره الريادي لا تقتصر على البعد الملاحي، بل تمثل رافعة أساسية للاقتصاد اليمني، موضحًا أن التشغيل الكامل للميناء سيحوّل اليمن من سوق استهلاكي إلى منصة خدمات لوجستية، ويوفر عشرات الآلاف من فرص العمل، ويحفز الصناعات التحويلية في المناطق الحرة، إلى جانب خلق تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تسهم في استقرار العملة الوطنية ودعم جهود إعادة الإعمار.

حتمية الجغرافيا

وفي ختام حديثه، شدد أمزربه على أن نجاح ميناء جبل علي كنموذج إداري وتكنولوجي لا ينفي فاعلية “الأصل الجغرافي”، مؤكدًا أن التاريخ الملاحي يثبت أن الخدمات تتبع دائمًا المسار الأقصر والأكثر جدوى اقتصادية.

وقال إن ميناء عدن “لا يحتاج لتقديم نفسه كمنافس يبحث عن صراع، بل كضرورة حتمية لتصحيح مسار التجارة العالمية وخفض كلف الإمداد”، مؤكدًا أن المنافسة المقبلة ستحسم بقدرة الموانئ على توفير الوقت والمال، وفي هذه المعادلة “يبقى ميناء عدن رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في الاقتصاد الأزرق العالمي”.