الوطن العدنية/المصدر اونلاين
تشهد محافظة صعدة (معقل ميليشيا الحوثي أقصى شمال اليمن) خلال هذه الفترة حركة غير مسبوقة من الوافدين، إذ تتقاطر إليها حشود من أتباع الميليشيا من مختلف المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، كباراً وصغاراً وموظفين حكوميين، وآخرين من مختلف المهن، في مشهد موسمي بات يتكرر في الأعوام الأخيرة ويتحوّل تدريجياً إلى طقس جماعي منظم، في مقابل واقع معيشي يزداد قسوة على سكان المحافظة ومختلف مناطق البلاد.
ووفقاً لشهادات مواطنين من أبناء صعدة تحدثوا لـ"المصدر أونلاين"، فإن الطرق المؤدية إلى "مديريتي مرّان وضحيان" ومحيط مدينة صعدة القديمة تشهد ازدحاماً لافتاً بالحافلات والسيارات القادمة ضمن قوافل مرتبة، فيما تنتشر نقاط الاستقبال والإشراف التابعة للجماعة لتنظيم حركة الزائرين وتوجيههم نحو ما تصفه بـ"المزارات"، في حركة تحمل طابعاً دينياً تعكس تعبئة فكرية وسياسية واسعة، يُعاد فيها تشكيل المكان والذاكرة معاً، وتُقدَّم صعدة بوصفها مركزاً روحياً جديداً لأتباع الجماعة.
وتنظّم ميليشيا الحوثي ابتداءً من السابع والعشرين من شهر رجب، الذي تزعم أنه يوافق يوم مقتل مؤسسها عام 2004م، وكذا في بداية شهر شعبان، كما في مناسبات أخرى مثل ما يسمى "أسبوع الشهيد"، زيارات مكثفة للقبر المنسوب إليه في منطقة مرّان بمديرية حيدان، إضافة إلى قبور آخرين من قادة الجماعة في محافظة صعدة ومحافظات أخرى.
وتركز الميليشيا تحديداً على تنظيم رحلاتٍ للمئات من الطلاب والشباب اليافعين من مدارس وجامعات صعدة والمحافظات الأخرى، في إطار برامج استقطاب فكري مغلف بطابع ديني، يستخدم لتعميق الولاء العقائدي وربط الأجيال الناشئة برموز الجماعة، وبالإضافة إلى فرض زيارات إجبارية على موظفي الوزارات والمؤسسات والقطاعات الحكومية، وتُعدّ هذه الزيارات مقياساً لتحديد مدى "تسليم" الموظفين وولائهم داخل تلك الجهات.
ويقوم الزائرون، الذين يقدِمون على شكل جماعات، بزيارة القبر المنسوب إلى حسين الحوثي، والاستماع إلى خطب تمجّده وتستعرض سيرته، كما يقوم الزائرون بالتضرع بجواره وذرف الدموع في مشهد لا يتصل بالبيئة اليمنية وينقلك مباشرة إلى مدينة "النجف العراقية"، ويعيد إلى الأذهان الطقوس المنتشرة حول الأضرحة في بعض البيئات الشيعية في دول كالعراق وإيران.
ورغم أن جثة مؤسس الجماعة لم يعد لها وجود فعلي في ذلك الموقع، وفقا للعديد من المصادر، بعد نقل ما تبقى منها إلى موقع آخر بعد تعرّض القبر للقصف بعدد من الغارات الجوية لطيران التحالف في بدايات "عاصفة الحزم" عام 2015، ما أدى إلى تدميره بالكامل، إلا أن الميليشيا أعادت بناءه، وتواصل حشد أتباعها وكل من يعمل تحت سلطتها لزيارته والتبرك به والبكاء حوله.
ومنذ إعلان دفنه بعد تسلم جثمانه من الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح عام 2013، عملت الجماعة على تحويل الموقع إلى مزار دائم، وكانت قد دفنته في يونيو من العام نفسه داخل قبة كبيرة بُنيت بشكل هندسي سداسي، ومرصّعة بأنواع وأشكال مختلفة من الأحجار، في حين رُصّعت المساحة المجاورة بأفخر أنواع السيراميك.
وبعد قصف القبة، أعادت الميليشيا بناءها، واشترت جميع الأراضي الزراعية المحيطة بالقبر بمبالغ كبيرة، وبعد الاستحواذ على الأراضي، قررت هدم القبة لاحقاً والاكتفاء بما تزعم أنه موضع القبر، مع إنشاء ساحة واسعة حوله، تسميها "المقام"، لاستيعاب الوفود الزائرة.
"أبو ماجد المراني" (اسم مستعار) يقول لـ"المصدر أونلاين" إن منطقة مرّان، التي أعلنتها الميليشيا مؤخراً مديرية مستقلة بعد أن كانت عزلة تتبع مديرية حيدان، أصبحت خلال هذه الأيام "منتعشة"، مضيفاً بسخرية: "صرنا مشهورين".
ويضيف أن الحوثيين اشتروا كل الأراضي المحيطة بالقبر بمبالغ خيالية، مؤكداً أن "أحد المواطنين كان يملك قطعة أرض صغيرة قرب القبر، اشتراها الحوثيون بخمسين مليون ريال، ثم بنوا أعمدة وقواعد ورفعوها حتى ساوت أرضية القبر من أجل توسيع المساحة، وبقية الأراضي تم التعامل معها بالطريقة نفسها".
ولا يقتصر الأمر على قبر مؤسس الجماعة فقط؛ فقد أنشأت الميليشيا مبنى مكوّناً من عدة طوابق بُني على هيئة قبر للقيادي عبد الله علي مصلح في منطقة مرّان أيضاً، وقد شُيّد على شكل قبة يظهر فيها بوضوح حجم البذخ الكبير، كما هو الحال مع قبر القيادي زيد علي مصلح، الذي نُسبت تسمية بعض مؤسساتهم الإعلامية إليه.
وفي منطقة ضحيان، أُنشئ ما يسمونه "مقام" العلامة مجد الدين المؤيدي، والذي أصبح مزاراً لأتباعه ممن بات يُطلق عليهم "العلماء"، وفي جامع يحيى الرسي، المسمى بجامع الهادي بمدينة صعدة، أعادت الميليشيا بناء قبة كبيرة بزخرفة مبالغ فيها على قبر يحيى الرسي، وأحيت هذا المزار القديم.
وفي المسجد نفسه، تعمل الجماعة منذ أشهر على هدم عدد من المباني التراثية المجاورة للجامع بعد شرائها، وتقول إنها ستنشئ ما تسميه "جامعة الإمام الهادي"، وهي جامعة أنشأتها إلى جانب مدرسة منذ سنوات، داخل هذا الجامع لطلابها فقط، وتدرس ملازم حسين الحوثي وكتب أسلافهم مثل يحيى الرسي وعبد الله بن حمزة وغيرهم من مرجعيات الهادوية من سلالة الرسي.
ولا تتوقف سياسة بناء المزارات عند الرموز التاريخية أو المؤسس الأول؛ إذ باتت القيادات الحوثية العليا التي قتلت في الحرب تمنح هي الأخرى مزارات فخمة، وتشيّد لها أضرحة من الرخام وتصنع حولها هالة دينية وسياسية، ومن ذلك ما أُقيم لـرئيس مجلسهم السياسي الذي قتل بطيران التحالف في غارة استهدفت موكبه في مدينة الحديدة عام 2018، صالح الصماد، والذي أنشأت له مزاراً في ميدان السبعين بقلب صنعاء، وكذلك طه المداني، الذي قتل قبل ذلك في مدينة دمت بمحافظة الضالع وسط اليمن، وأخفوا مقتله لسنوات قبل أن يدفن ويبنى له ضريح فخم في مديرية "مجز" بمحافظة صعدة، وغيرهم من القيادات البارزة الذين جرى تحويل قبورهم إلى مواقع زيارة منظمة، ترفع فيها الشعارات وتلقى الخطب ويعاد إنتاجهم كرموز عقائدية.
وبالتوازي مع ذلك، عملت الميليشيا على تجديد قباب أئمة وشخصيات دينية في محافظات عمران وذمار إضافة إلى صعدة، وتحويلها إلى مزارات نشطة ضمن مسار تعبوي واحد، يُعاد فيه تشكيل الجغرافيا الدينية بما يخدم رواية الميليشيا السياسية والطائفية.
في المقابل، تعيش المناطق المحيطة بهذه المزارات كغيرها من مناطق سيطرة الميليشيا، حالة فقر مدقع، وبنية تحتية متهالكة، وخدمات شبه منعدمة، في مفارقة صارخة بين البذخ المصروف على القباب والأضرحة، والحرمان الذي يعيشه السكان.
وهكذا، بينما تتسع رقعة القباب وتزداد زخرفة ولمعاناً ويزداد عددها مع كل قيادي يقتل مستقبلاً، يضيق حال الناس أكثر فأكثر.. وفيما الشعب تحت حكم الميليشيا موعود، على ما يبدو، بالمزيد من القباب في المستقبل، هو موعود أيضاً بالمزيد من الفقر وسوء الأحوال الاقتصادية!.