مقالات وآراء

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 05:20 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/علي الفقيه

في مشهد كاريكاتوري يبعث على الشفقة ويدعو إلى السخرية في آن، وقف حشد الوزراء المعينين في الحكومة الجديدة أمام الرئيس رشاد العليمي لأداء اليمين الدستورية في إحدى القاعات التابعة للسفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض.

ببدلات جديدة وربطات عنق بألوان زاهية اشتروها على عجل من أحد المحلات بشارع العليا، احتشد الوزراء القدامى والمستجدين دون أن يشعر أحدهم بالامتعاض أو الخجل كون هذا المشهد سيدون في تاريخه كوزير سفري بدأ مشواره بداية غير مشرفة وغير لائقة تنبئ عن حكومة منفى جديدة قد تكون أقل حتى عن مستوى حكومات سبقتها وحاولت أن تتخلص من وصمة "حكومة المنفى".

يمكن لهذا الموقف أن يكون متفهماً لو كان في الشهر الثاني أو الثالث أو حتى في العام الأول من الحرب، ولو كانت كل البلد ساحة معارك لا يجدون فيها مساحة كيلومتر مربع آمن، وسيدخل ذلك في باب الضرورات النضالية التي تستدعي التعامل مع واقع سيء وسد فراغ كون حالة الحرب تستدعي العمل خارج المألوف ومخالفة كل القوانين والبروتكولات والأنماط المعروفة الضابطة لعمل الحكومات في الأوضاع الطبيعية.

أما أن يتكرر هذا المشهد بعد مرور أكثر من 11 عاماً على حدوث الإنقلاب الحوثي واندلاع الحرب ومغادرة الرئاسة والحكومة اليمن، وبعد حوالي أربع سنوات من حدوث مواجهات عسكرية حقيقية فهو تعبير عن عجز وفشل مزمن يشل أداء وتفكير المنظومة الحاكمة والنخب المتصدرة للمشهد التي تضاءلت حساسيتها الوطنية وصارت دون مستوى إنكار حالة الفشل والعجز الذي يحكم المشهد.

تعاطي النخب والمعنيين بالشأن العام مع بقاء مجلس القيادة والحكومة خارج اليمن كأمر طبيعي هو تعبير عن حالة موات عام، وتعفن في المشهد العام. والأدهى من ذلك أن هذه الحالة الشاذة تجد من يدافع عنها ويحشد لها المبررات بل ويسوق لها باعتبارها تجلي لدهاء وفطنة القيادة السياسية.

جرت العادة وما تعارف عليه الناس عبر العصور أن خروج المسؤولين والقادة من البلد هو لزيارات بروتكولية أو تواصل مع العالم الخارجي لكن ما يحدث في بلادنا منذ بدء الحرب أن وصول المسؤولين لليمن هو زيارات تتحول إلى أخبار ويلاقون عليها كثيراً من المديح والإشادة من قبل ممتهني التطبيل وجوقات تسويق الفشل.

لا زلت أتذكر زيارات متكررة قمت بها للسفارة في الرياض عام 2017 بغرض تجديد جوازات ومشهد الوزراء والوكلاء وهم يتزاحمون في مبنى صغير خلف تابع للسفارة هو في الأصل مخصص كسكن لعائلة السفير بينما كان الوزراء يتقاسمونه غرف كل وزير وكتيبة وكلائه ومستشاريه لهم غرفة بكرسي وطاولة مدرسية يتزاحمون عليه ويقضي الجميع معظم وقتهم في فناء السفارة يتبادلون الأحاديث والنكات بهدف كسر الملل.

وفي تلك اللحظة التي كان المسؤولون في الرياض في سنة ثالثة غربة كان ضباط إماراتيون من الدرجة الرابعة يتولون مقاليد الأمور في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المناطق المحررة، ويعيدون تشكيل الملعب يعيدون صناعة مراكز قوة تتناسب مع مصالحهم ويعبثون في سبيل ذلك بكل شيء بينما يقولون للحكومة والرئاسة إن عدن غير جاهزة وليس من المنطق أن تعرضوا حياتكم الغالية للخطر وتنزلوا إلى منطقة غير مستقرة.

فقد الجميع أهليتهم وتعفنوا وهم خارج البلد بينما كانت اليمن شمالاً وجنوباً تأخذ شكلاً آخر لم تعد تربطهم به من علاقة، حانت لحظة عبقرية وقالوا إذاً عليكم بتبادل المواقع المستشارين يرجعوا تنفيذيين والتنفيذيين يرجعوا مستشارين، بينما تم تجديد الإقامات للمنظومة كاملة وتغيير بطانيات جديدة وبقي الجميع يتعاملون مع الخارج هو الوضع الثابت بينما الوصول إلى البلد متغير يستحق الإحتفاء والإشادة.

بقاء النخبة الحاكمة خارج البلد طوال السنوات الماضية مكن مليشيا الحوثي ومنظومة السيطرة من تثبيت أقدامها شمالاً، بينما نشأت مليشيات جهوية ومناطقية في بقية أجزاء البلد أدى إلى مآلات سيئة كادت أن تقضي على فكرة الشرعية أو ما يسميه الرئيس رشاد العليمي "المركز القانوني للدولة"، ومع أن التدخل السعودي الخشن كان حاسماً لتلافي الوضع إلا إن استمرار الفراغ واسترخاء القيادة سيعيد إنتاج المشاكل ذاتها ويديم حالة اللاإستقرار التي تقضي على ما تبقى من أمل لدى اليمنيين بقرب الخلاص.

فمتى تدرك القيادة أن الأخطار لا تزول إلا بمواجهتها مباشرة والاشتباك معها من المسافة صفر؟!