اخبار وتقارير

الجمعة - 13 فبراير 2026 - الساعة 03:59 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



قدّم رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن الدكتور محمد علوي أمزربه رؤية تحليلية موسعة بعنوان: “تشريح جيوسياسي واقتصادي لمستقبل عدن في خارطة اللوجستيات العالمية”، مؤكداً أن التحولات المتسارعة في قطاع النقل البحري العالمي تفرض واقعاً جديداً يتجاوز المفاهيم التقليدية لإدارة الموانئ.

وأوضح أمزربه أن المنافسة اليوم لم تعد تقتصر على إدارة الأرصفة والرافعات، بل أصبحت معركة سيادة استراتيجية في قلب أهم الممرات الملاحية، مشددًا على أن “الميناء بلا ظهير هو رئة بلا هواء”، في إشارة إلى أهمية الامتداد الجغرافي واللوجستي خلف الميناء باعتباره العامل الحاسم في تحقيق الاستدامة والنمو.

تشريح الجغرافيا.. المنجم اللوجستي الضائع

وبيّن أن عدن تمتلك ميزة استراتيجية نادرة تتمثل في قربها من خط الملاحة الدولي بأقل من أربعة أميال بحرية، وعمق طبيعي يصل إلى 16 مترًا، إلا أن هذه الميزة – بحسب وصفه – تظل ناقصة ما لم تكتمل بالسيادة على الظهير الجغرافي.

وأشار إلى أربعة محاور رئيسية تمثل “الأوردة والشرايين” للعملاق اللوجستي المرتقب، في مقدمتها محور بير أحمد – الشعب، الذي وصفه بالمفتاح الذهبي لرفع الطاقة الاستيعابية دون الحاجة إلى إنشاء أرصفة إضافية، من خلال تحويله إلى ميناء جاف يسهم في تخفيف الاختناقات المرورية والجمركية داخل المدينة ورفع كفاءة التشغيل بنسبة تصل إلى 40%.

كما لفت إلى محور العريش – العلم باعتباره الظهير الصناعي والتصديري، حيث يمكن إنشاء مناطق تصدير متخصصة تعتمد على إعادة التصنيع والتغليف والتصدير نحو أسواق القرن الأفريقي ودول الجوار، بما يعزز تدفق العملة الصعبة ويحول عدن من ميناء استيراد إلى مركز إنتاج وتصدير.

وتطرق إلى محور كالتكس – المنصورة بوصفه القلب التشغيلي الذي ينبغي تطويره كمنطقة خدمات لوجستية ذكية، عبر الربط الرقمي الكامل بين محطات التفريغ ومخازن التوزيع، بما يقلل تكاليف النقل الأولي ويعزز جاذبية الميناء للخطوط الملاحية العالمية.

مقارنة إقليمية.. صراع الأرض لا البحر

وفي تحليله المقارن، أشار أمزربه إلى أن المنافسة الإقليمية لا تُحسم في البحر، بل في مدى تغلغل الميناء داخل اليابسة، مستعرضاً تجارب إقليمية ناجحة مثل ميناء جيبوتي الذي استثمر مليارات الدولارات في تطوير ظهير لوجستي متكامل وربطه بسكة حديد نحو إثيوبيا، إضافة إلى ميناء جدة الذي عزز مكانته العالمية عبر إنشاء مناطق لوجستية ضخمة ضمن رؤية 2030، وكذلك نموذج العين السخنة في مصر الذي تحول إلى بوابة لمنطقة صناعية متكاملة.
وأكد أن عدن تمتلك الموقع الأفضل جغرافيًا، إلا أن المنافسين يمتلكون بنية أرضية أكثر جاهزية، ما يستدعي تحركًا سريعًا لاستعادة التوازن.

ضرورات عاجلة لاستعادة السيادة اللوجستية

وشدد رئيس موانئ عدن على أن استعادة المكانة التاريخية لعدن تتطلب خطة عمل حازمة، تتضمن إنشاء ممرات لوجستية معزولة تربط الميناء بمناطق بير أحمد والعريش لضمان تدفق الحاويات في زمن قياسي، وتوطين صناعات التجميع والتغليف لخلق فرص عمل وتعزيز القيمة المضافة، إلى جانب تطبيق نظام مجتمعي رقمي متكامل يربط الرصيف بالمصانع والمخازن في الظهير.

لغة الأرقام.. لماذا الظهير هو الثروة؟

وأوضح أن الحاوية العابرة “ترانزيت” تحقق عائداً محدوداً، بينما ترتفع القيمة الاقتصادية للحاوية الواحدة بنسبة كبيرة إذا دخلت في عمليات تصنيع أو إعادة تغليف داخل الظهير الصناعي، حيث تسهم في خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، وزيادة الإيرادات الجمركية والضريبية، وخفض تكلفة السلع في السوق المحلية.

القرار الحاسم

واختتم أمزربه مقاله بالتأكيد على أن التاريخ والجغرافيا منحا عدن كل المقومات، غير أن الإرادة والقرار هما الفيصل، داعيًا إلى إدارة حازمة للأرض خلف البحر باعتبارها الضمانة الحقيقية للسيادة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

وأكد أن ظهير عدن الممتد من المنصورة إلى العلم وبير أحمد يمثل “بترولاً لا ينضب”، إذا ما أُحسن استثماره ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تعيد المدينة إلى موقعها الطبيعي في خارطة اللوجستيات العالمية.