الوطن العدنية/محمد أحمد العولقي
بينما تنشغل الصالونات السياسية بترتيب الأوراق وحساب المكاسب، يقف الجندي ورجل الأمن والمتقاعد الحكومي للشهر الرابع على التوالي أمام أبواب الصرافة الموصدة؛ لا يبحثون عن مكافآت أو رفاهية، بل عن "الفتات" الذي يُسمى مجازاً مرتباً، وهو الذي لم يعد يكفي لسد رمق أسرة لأسبوع واحد في ظل انهيار تاريخي وقوة شرائية معدومة للعملة الوطنية.
عدالة "الريال السعودي" مقابل "الريال المنهار"
لقد تجاوزنا مرحلة العجز المالي لنصل إلى مرحلة "الفرز الطبقي العسكري". ففي الوقت الذي يتضور فيه الجندي الحكومي والمتقاعد جوعاً بانتظار مرتب بالريال اليمني المتهالك -الذي لم يصل أصلاً- نجد أن منتسبي التشكيلات التابعة لأعضاء في مجلس القيادة ينعمون بمرتبات منتظمة تُصرف "بالريال السعودي"، بل وتُغدق عليهم "الإكراميات" السخية. هذا التمييز الفج يطرح تساؤلاً مراً: هل دماء هؤلاء أغلى من دماء أولئك؟ وكيف يمكن الحديث عن بناء "جيش وطني موحد" بينما تفرق السلطة بين أفراده في لقمة العيش ونوع العملة؟
سياسة التجويع.. سقوط أخلاقي
إن تأخير صرف مرتبات المتقاعدين -الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة- بينما تُوفر السيولة والامتيازات لتشكيلات بعينها، هو سقوط أخلاقي وسياسي مدوٍ. كيف لشرعية أو سلطة أن تدعي السيادة وهي تعجز عن تأمين لقمة العيش لمن يقف في خنادق الدفاع عنها؟ إن المتقاعد الذي أفنى زهرة شبابه يجد نفسه اليوم "مُكافئاً" بالإهمال والجوع، وكأن لسان حال أصحاب القرار يقول: "شكراً لخدمتكم، والآن اذهبوا لتموتوا بسلام".
التبعات الكارثية خلف الأرقام
عندما نتحدث عن أربعة أشهر من الانقطاع للمؤسسة الرسمية، نحن لا نتحدث عن أرقام إحصائية، بل عن:
- تآكل الولاء الوطني: المحسوبية في الرواتب تقتل الروح المعنوية وتزرع الفرقة بين رفاق السلاح.
- انهيار العقيدة القتالية: لا يمكن مطالبة الجندي بالثبات في متراسه وعقله مشغول بطفل يبكي جوعاً في المنزل.
- إهانة التاريخ: تحويل المتقاعدين (بناة المؤسسات الأوائل) إلى ضحايا لسياسات التمييز المالي والمادي.
رسالة إلى مجلس القيادة
إن الصمت الشعبي وصبر العسكريين ليس علامة رضا، بل هو الغليان الذي يسبق الانفجار. إن التذرع بشح الموارد هو عذر أقبح من ذنب حين نرى الأموال تتدفق لوحدات وقوى مختارة. العدالة ليست شعاراً يُرفع في الخطابات، بل هي مساواة في الحقوق والواجبات، وأولها "المرتب".
الخلاصة: إن الدولة التي تجوع جيشها الرسمي وتُفضل عليه وحدات الولاءات الخاصة، هي دولة تقامر بكيانها ووجودها. المرتبات ليست "منّة" من أحد، بل هي حق مقدس لجميع المنتسبين والمتقاعدين دون استثناء، والمساس بها هو مساس بالأمن القومي في صميمه.