الوطن العدنية/غرفة الأخبار
عدم وجود سيولة ليست مجرد أزمة أرقام في كشوفات البنك المركزي، بل هي "خنق متعمد" لشريان الحياة في عدن والمحافظات المحررة.
أمام أبواب المصارف والصرافات، يقف الموظف البسيط حاملاً بطاقته وسنوات خدمته، ليواجه عبارة واحدة باتت تطارده كالكابوس: "لا توجد سيولة" ، فيما يتنقل مواطنين بين البنوك وشركات الصرافة بحثا من أجل صرف مبلغ محدد من العملات الأجنبية دون جدوى ويتلقون عبارة موحدة من الجميع: الصرف موقف!.
هذه الأزمة التي تجاوزت حدود "التعثر" لتصل إلى مرحلة "الشلل التام" في صرف المرتبات وتوقف حركة المصارفة، تضع الحكومة والبنك المركزي أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون اقتصادياً.
فالعجز عن توفير "الورقة النقدية" ليس مجرد خلل فني، بل هو اعتراف ضمني بفقدان السيطرة على الدورة المالية لصالح قوى خفية تدير المشهد من خلف الكواليس.
الهروب الكبير.. أين تذهب السيولة؟
السؤال الذي يشغل الشارع اليمني اليوم: إذا كانت الحكومة تطبع العملة والإيرادات تُحصل، فأين تتبخر هذه الأموال؟
الحقيقة المرة تكمن في "الدورة النقدية المبتورة" ، فالكتلة النقدية الضخمة التي تخرج من البنك المركزي لا تعود إليه أبداً.
لقد نشأ في المحافظات المحررة ما يمكن تسميته "اقتصاد الخزائن الخاصة"، حيث يفضل التجار والمواطنون وحتى بعض الجهات الإيرادية الاحتفاظ بالسيولة بعيداً عن المنظومة المصرفية الرسمية نتيجة فقدان الثقة.
هذا "النزيف النقدي" يتجه مباشرة نحو شركات الصرافة والمضاربين الذين تحولوا إلى "بنوك ظل" تتحكم في عرض النقد وطلبه.
وبدلاً من أن يدور الريال في عروق الاقتصاد الوطني ليصرف كرواتب، يظل حبيس المضاربات بالعملات الأجنبية في أضيق الحدود، مما أدى إلى جفاف السيولة في خزائن الدولة وظهورها بوفرة في "السوق السوداء" ولكن بأسعار استنزافية تزيد من معاناة المواطن.
طريق الخروج.. هل من إرادة للحل؟
إن الخروج من عنق زجاجة "أزمة السيولة" ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية تتجاوز حدود البيانات الصحفية والوعود الحكومية المتكررة.
إن أولى خطوات التعافي تبدأ بـ استعادة الثقة في النظام المصرفي؛ ولن يتحقق ذلك إلا عبر إجراءات جريئة، تبدأ بإلزام كافة الجهات الإيرادية (المنافذ، الضرائب، والجمارك) بتوريد السيولة النقدية إلى البنك المركزي بشكل يومي وحصري، ووقف "الجبايات" الجانبية التي تذهب لجيوب المتنفذين.
ثانياً، يجب على البنك المركزي تفعيل أدواته الرقابية الصارمة على شركات الصرافة التي تحولت إلى "دولة داخل الدولة"، وفرض قيود تقنية تضمن دوران الكتلة النقدية داخل القنوات الرسمية. كما أن التوجه نحو "الرقمنة المالية" وتفعيل الحسابات البنكية للموظفين لصرف الرواتب عبر تطبيقات الموبايل والبنوك التجارية، سيسهم بشكل كبير في تقليل الضغط على "العملة الورقية" ويحد من عمليات التلاعب.
إن عدن والمحافظات المحررة لا تعاني من فقر في الموارد، بل من "سوء إدارة" لهذه الموارد.
إن بقاء الموظف دون راتب في ظل غلاء فاحش هو انحدار نحو كارثة اجتماعية لا يمكن التنبؤ بنتائجها ، وحان الوقت لتتحمل الحكومة مسؤوليتها التاريخية، فالحلول موجودة، وما ينقصنا فقط هو "قرار شجاع" يعيد للريال اليمني قيمته وللمواطن كرامته.