اخبار وتقارير

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 10:53 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/العربي الجديد

بين أعمدة متوازية في أعماق صحراء اليمن يظهر "معبد أوام"، إرث قوم كانوا ذوي قوة وبأسٍ شديد. ومع كل شروق وغروب تتسلل أشعة الشمس من بين بقايا المعبد، وترسم طيف تاريخ سُطِّر في أسفار البشرية ونصوص كتب السماء.

على بُعد أقل من عشرة كيلومترات من جنوبي مدينة مأرب شمال شرقي اليمن، حيث يمتزج هزيز الريح بصمت الرمال اللامعة، يستريح معبد أوام، أو "محرم بلقيس"، الاسم الذي توارثه اليمنيون جيلاً بعد جيل لموقع مملكة لم يطوِ الزمان ذكرها وتشهد على حضارة كانت هناك ولا تزال.
ليس معبد أوام مجرد أثر عابرٍ، بل شاهد أزليّ يقف محاطاً بأسفارٍ من نقوش "المسند" التي تؤرخ لأمجاد مملكة سبأ الخالدة التي اتخذت من مأرب مركزاً لإدارة العالم القديم.


وسبأ هي المملكة التي نالت شرف التخليد في الكتب السماوية، فأفرد لها القرآن الكريم سورة باسمها، وخلّد ذكرى ملكتها بلقيس، أيقونة الحكمة والشورى وأعظم ملكات الشرق التي ارتبط اسمها بهذا العرش وهذا المعبد، لتُنسج حولهما قصص جمعت بين السيادة والروحانية وبين ذكاء المرأة السبئية ويقينها الذي قادها من عرش مأرب إلى رحاب اتباع نبي الله سليمان.
ورغم أن النقوش الأثرية المسندية تنسب تشييد المعبد إلى "المكارب"، وهم ملوك سبأ الأوائل، يأبى الوجدان اليمني إلا أن يمنح الملكة بلقيس حق الحيازة الأبدية، ليظل "محرم بلقيس" هو الاسم الأكثر تجذراً في الأفواه والقلوب والوعي الجماعي لليمنيين الذين يصرون على استحضار رمزية المرأة التي أدارت دفة الحكم بالحكمة والشورى في فجر التاريخ، وظلت محل فخرٍ لدهاء المرأة اليمنية وحكمتها وامتلاكها قدرات الإدارة والقيادة ومهاراتِ السياسة.
تاريخياً لم يكن "معبد أوام" مجرد صرح من حجرٍ، بل مهوى أفئدة العرب الذين حجّوا إليه من أرجاء الجزيرة للتبرك في حضرة إلمقة"، الإله الأكبر لمملكة سبأ والمسؤول، وفق المعتقدات القديمة، عن الخصوبة والزراعة والحرب، ورُمِز إليه بالثور ونقوش السلاح المعقوف، وبُنيت له أقدس المعابد في مأرب وصرواح.
وإضافة إلى مكانته الروحية، يقف المعبد شاهداً حياً على العبقرية الهندسية لليمني القديم، إذ تفرّد بتصميم بيضاوي مهيب يحيط به سور جعله صرحاً لا يُضاهى. وقد شُيّد في القرن العاشر قبل الميلاد، علماً أن باحثين لا يستبعدون تاريخاً أقدم، وتضمن سوراً بُني بأحجار كلسية بطولٍ يصل إلى 752 متراً وسماكةٍ تراوح بين 3 و5 أمتار، وتوسطه فناء بطول 52 متراً وعرض 24 متراً استقرت فيه الأعمدة الثمانية الشامخة.
وإلى المكانة الدينية التي تميّزت بها مملكة سبأ، حضرت المعارف والعلوم من خلال خط المسند الذي دوَّن به السبئيون رسائلهم ونذورهم واعترافاتهم وصلوات شكرِهم للآلهة على جدران المعبد. ولم تكتفِ هذه النقوش بعكس الجانب الروحي، بل احتوت أسماء القبائل وسجلاتِ المعارك الحربية والتشريعاتِ التي نظمت حياة المجتمع قانونياً وزراعياً، ما جعلها رسائل خالدة وروابطَ وثيقة بين تدبير شؤون الأرض وقدسية السماء.


يقول صقر المرادي، من أبناء مدينة مأرب، لـ"العربي الجديد": "معبد أوام رمز لهويتنا الثقافية وتاريخنا الحضاري، وشاهد على عظمة اليمني منذ قديم الزمان حين سبقت حضارته باقي الحضارات وتجاوزتها في المعارف والفنون، لذا ينظر اليمني بنوع من القداسة إلى هذا المعلم".
وظل المعبد كنزاً حضارياً مغيّباً حتى مطلع خمسينيات القرن الماضي حين وصلت إلى مأرب بعثة المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان بقيادة المستكشف وينديل فيليبس، والتي نفضت غبار القرون عن وجه أوام ليبدأ فصل جديد من فصول الإبهار، إذ كشفت المعاول حينها السور العملاق والممرات الجانبية والقاعات الفسيحة التي حيّرت علماء الآثار بدقة هندستها. ورغم الاكتشافات المذهلة يعتقد خبراء آثار عالميون أن ما ظهر من المعبد حتى الآن لا يتجاوز 20% من حجمه الحقيقي، بينما لا يزال "جسده الأعظم" غارقاً تحت أطنان من الكثبان الرملية.
كما وثّق الباحث الأميركي ألبرت جام نحو 300 نقش من داخل المعبد فككها وترجمها إلى الإنكليزية في كتاب صدر عام 1962 بعنوان "نقوش مسندية من محرم بلقيس"، وهذا عمل مرجعي لم يُترجم إلى العربية حتى اليوم.
وحالياً يقف معبد أوام وحيداً في مواجهة أقسى فصول تاريخه، حيث بات في مهبّ ريحِ الإهمال وصمت النسيان، فبين زحف الرمال التي تحاول استعادة ما كشفته المعاول، وبين غياب مشاريع الترميم وتداعيات الصراع المنهك، يصارع هذا الأثر للبقاء حياً. ويعتبر خبراء أن استمرار تجاهل التهديدات التي تحيط بالسور والأعمدة الشامخة ليس خسارة لليمنيين وحدهم، بل طعنة في ذاكرة التراث الإنساني، علماً أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أدرجت مطلع عام 2023 معالم مملكة سبأ في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.


ويرى الباحث في التاريخ اليمني القديم، فارس عبد الرحمن، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "التفريط في معبد أوام تفريط في جزءٍ أصيل من الوجدان اليمني، فالمعلم الأثري يواجه خطراً مزدودجاً، الأول التقصير الحكومي الذي لم يمنح الموقع الحماية القانونية والميدانية الكافية، والثاني الجهل الشعبي الذي يدفع البعض إلى العبث بمقدرات حضارية لا يدركون قيمتها، لذا نشدد على ضرورة أن تتحرك الدولة لإنقاذ هذا الكنز الوطني قبل فوات الأوان".
تظل أعمدة بلقيس جذوراً يمنية تأبى الانكسار، وحكاية صمود ترويها الحجارة بالنيابة عن البشر، ورغم رياح العبث والأوجاع، سيبقى معبد أوام شاهداً على أن الأرض التي صدّرت أبجديات الحضارة والشورى، تملك دوماً القدرة على الانبعاث من جديد كشمس سبأ التي لا تغيب.