مقالات وآراء

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - الساعة 09:34 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص



السؤال الأكثر وجعا اليوم ليس: هل يحب المواطن دولته؟ ولا هل ما زال يؤمن بمؤسساتها؟ بل سؤال أكثر بساطة وعمقا.. هل يشعر المواطن اليمني في المحافظات المحررة أن دولته تحترمه؟ قد لا تكون الإجابة «نعم» أو «لا» بصورة مطلقة، لكن الواقع اليومي يقول إن هناك مشاهد لا يمكن القفز فوقها، ولا يمكن تغطيتها بخطابات رسمية مهما كانت منمقة. طيلة أكثر من عشرة أعوام، عاش اليمني في المحافظات المحررة تجربة قاسية من الحرب والانقسام وتدهور الخدمات، لكنه في الوقت نفسه ظل يرى مفارقة صارخة: من يفترض أنهم أركان العملية السياسية وصناع القرار، أين يعيشون؟ وكيف يعيشون؟ في الوقت الذي يقف فيه المواطن أمام باب بيته منتظرا ساعات طويلة لعودة الكهرباء، أو يبحث عن قطرة ماء أو يقلقه وضع أمني متقلب، هناك من يعيش داخل أسوار محصنة، أو خارج البلاد، بعيدا عن تفاصيل الحياة التي يواجهها المواطن كل يوم. وهنا لا يتعلق الأمر بالغيرة من أحد أو الاعتراض على حق المسؤول في حياة كريمة وإنما بالسؤال عن المسافة الهائلة بين حياة صاحب القرار وحياة المواطن الذي يفترض أن القرار اتّخذ من أجله. كيف يمكن لمسؤول لا يشعر بمعاناة انقطاع الكهرباء، ولا يبحث عن الماء، ولا يقلق على مستقبل أبنائه، أن يشعر بالضغط نفسه الذي يعيشه المواطن؟ وكيف يمكن لمن يعيش بعيدا عن تفاصيل المعاناة اليومية أن يدرك أن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة ليس مجرد رقم في تقرير، وأن شح المياه ليس مجرد بند في محضر اجتماع؟ المشكلة ليست في أن يعيش المسؤول بصورة أفضل، بل في أن تتحول حياة المسؤول إلى جزيرة معزولة عن حياة الناس. لقد دافع المواطن عن هذه الأرض، ودفع من أمنه وماله ومستقبل أبنائه ثمنا باهظا خلال سنوات الحرب. ولم يكن يوما تابعا لحزب أو مكوّن أو جماعة حين وقف في وجه الخطر؛ كان يمنيا يبحث عن وطن يحميه ويحفظ كرامته. فلماذا يُطلب من المواطن أن يكون مواطنا كامل الحقوق حين يتعلق الأمر بالواجبات، ثم يُعامل وكأنه مواطن من الدرجة الثانية عندما يتعلق الأمر بالخدمات والحقوق الأساسية؟ اليوم، يضع بعض المواطنين قدرا محدودا من الأمل أمام الحكومة الجديدة، ليس لأنهم يملكون رفاهية الانتظار، وإنما لأنهم تعبوا من الانتقال من خيبة إلى أخرى. وهم لا يريدون معجزات، ولا ينتظرون قصورا أو طرقا من ذهب؛ يريدون دولة تؤدي الحد الأدنى من وظائفها: كهرباء مستقرة، ماء مستمر دون انقطاع صالح للشرب، أمن، مؤسسات تعمل، وعدالة لا تفرق بين الناس. والأهم من ذلك كله، يريدون أن يشعروا بأنهم مواطنون قبل أن يكونوا محسوبين على هذا الحزب أو ذاك المكوّن أو تلك المنطقة. هذه هي المعركة الحقيقية أمام أي حكومة جديدة: هل تستطيع أن تنقل المواطن من خانة «المستفيد المحتمل من الخدمة» إلى خانة «صاحب الحق فيها»؟ فالخدمات ليست مِنّة من الحكومة، والراتب ليس صدقة، والأمن ليس امتيازا، والكهرباء والماء ليسا هدية سياسية. هذه كلها وظائف أساسية للدولة، ومن حق المواطن أن يسأل عنها وأن يحاسب المسؤول عليها. والدولة التي تريد من مواطنيها احترامها، عليها أولا أن تمنحهم سببا لهذا الاحترام. واليمني الذي تحمل الحرب والإرهاب والانقسام والفقر ليس عاجزا عن بناء بلده. على العكس، ربما يكون هو الطرف الوحيد الذي ما زال يملك الطاقة الحقيقية لإعادة ارتقاء السلم الحضاري، وإعادة بناء ما هدمته الحروب والإرهاب ومافيات الفساد. لكن هذا الإنسان يحتاج إلى دولة تؤمن به، لا دولة تطلب منه أن يؤمن بها فقط. احترموا المواطن، وستجدوا فيه أقوى سند للدولة. أعيدوا إليه كرامته، وسيعيد إليكم ثقته. وفي النهاية، هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى لجان أو مؤتمرات.. اليمني الذي تحترمه حكومته، سيكون أكثر الناس استعدادا لاحترام دولته أما الدولة التي لا يشعر المواطن بوجودها إلا في الخطابات، فلن تستطيع بناء المستقبل مهما ارتفعت أسوارها.