اخبار وتقارير

الإثنين - 31 أغسطس 2026 - الساعة 07:22 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص


قال الكاتب الصحفي محمد المسبحي، في مقال رأي نشره اليوم، إن المشكلة في المحافظات المحررة لا تختصر في الفساد أو سوء الإدارة أو المشاريع المتعثرة، وإنما تكمن في أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الموارد وتحويل الثروة العامة إلى خدمات وبنية تحتية واقتصاد منتج.

واستهل المسبحي مقاله بالقول: «أسوأ ما يمكن أن يحدث في بلد غني ليس أن تنفد ثروته، بل أن تبقى الثروة موجودة ويظل المواطن فقيرًا في الخدمات».

وأشار إلى أن الأزمة الاقتصادية لا تظهر بالنسبة للمواطن في أرقام الموازنات أو البيانات المالية، وإنما في تفاصيل حياته اليومية، موضحًا أن الأب اليمني يبدأ يومه بالتفكير في أسئلة تتعلق بما إذا كانت البطارية ستكفي حتى الليل، وما إذا كان الماء سيصل خلال الأسبوع، وما إذا كان قادرًا على تحمل كلفة العلاج أو مصاريف المدرسة.

وأكد أن هذه التفاصيل ليست أزمات منفصلة، وإنما تعكس مشكلة واحدة تتمثل في اتساع الفجوة بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه من خدمات.

وقال إن المواطن يعيش في بلد يمتلك النفط والغاز والثروة السمكية والزراعية والحيوانية والموانئ والموقع الجغرافي، فيما مرت خلال السنوات الماضية عبر مؤسسات الدولة إيرادات وأموال كان يفترض أن تتحول إلى خدمات وبنية تحتية واقتصاد منتج.

وأضاف: «لكن شيئًا ما لا يعمل كما ينبغي».

ورأى المسبحي أن اختصار المشكلة في كلمة «فساد» لم يعد كافيًا، رغم وجود الفساد وسوء الإدارة والمشاريع المتعثرة والمحاصصة، مؤكدًا أن القضية أعمق من ذلك، وأن هناك تحولًا تدريجيًا في وظيفة الدولة، من دولة تقدم الخدمة إلى دولة تجمع المال ثم تترك المواطن يبحث عن الخدمة في السوق.

وتناول المسبحي قطاع الكهرباء باعتباره أحد أبرز الأمثلة على هذه المفارقة، موضحًا أن الدولة تنفق على الكهرباء، فيما يدفع المواطن ما عليه من رسوم واستهلاك والتزامات مختلفة، ثم يجد نفسه أمام انقطاعات متكررة تدفعه إلى شراء الألواح الشمسية والبطاريات والشواحن والمولدات والوقود، فضلًا عن تكاليف الصيانة.

وقال: «أي أنه يدفع للدولة لكي توفر له الكهرباء، ثم يدفع للقطاع الخاص والسوق لأن الدولة لم توفرها. هذه ليست فاتورة كهرباء، هذه فاتورة دولة».

وأشار إلى أن المشكلة لا تختلف كثيرًا في قطاع المياه، عندما يصبح وصول المياه إلى المنزل مرتبطًا بجدول انتظار أو صهريج أو خزان احتياطي، معتبرًا أن المياه في هذه الحالة تتحول من خدمة عامة إلى سلعة يشتريها المواطن كلما فشلت الشبكة في الوصول إليه.

وفي قطاع الصحة، قال المسبحي إن المرض لم يعد اختبارًا للجسد فقط، بل أصبح اختبارًا للقدرة المالية، في ظل معاناة المستشفيات الحكومية وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص، الأمر الذي قد يحول مرض فرد واحد إلى أزمة مالية تهدد استقرار الأسرة.

أما في التعليم، فأوضح أن الأسرة التي تبحث عن تعليم جيد قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع رسوم المدارس الأهلية، ثم تكاليف الدروس الخصوصية، إلى جانب مصاريف أخرى، مؤكدًا أن المشكلة ليست في وجود القطاع الخاص، وإنما في اضطرار المواطن إلى اللجوء إليه لتعويض ضعف الخدمة العامة.

وشدد المسبحي على ضرورة التفريق بين الخصخصة وانسحاب الدولة، موضحًا أن الخصخصة الحقيقية تعني دخول القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي ضمن قوانين واضحة ومنافسة وتنظيم ورقابة وحماية للمستهلك.

أما أن تتراجع الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية ثم تترك السوق لملء الفراغ، فهذه، بحسب وصفه، ليست خصخصة، وإنما «انسحاب».

وأوضح أن وجود مستشفى خاص حديث إلى جانب مستشفى حكومي قوي يمثل تنوعًا وشراكة، لكن عندما يصبح المستشفى الخاص الملاذ الوحيد لمن يريد علاجًا جيدًا، فإن الأمر يعكس ضعف الخدمة العامة.

وينطبق الأمر ذاته، وفق المسبحي، على التعليم؛ فوجود المدرسة الأهلية كخيار إضافي أمر طبيعي، لكن تحولها إلى ضرورة للحصول على تعليم جيد يكشف تراجع المدرسة الحكومية.

وفي الكهرباء، أشار إلى أن استخدام المولدات والشواحن والبطاريات كحل احتياطي لا يمثل مشكلة بحد ذاته، لكن عندما تصبح هذه الوسائل جزءًا من النظام الكهربائي الفعلي للمدينة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

«أين الدولة؟ وأين ذهبت الثروة؟»

الثروة موجودة.. فأين أثرها؟

وأكد المسبحي أن هذه النقطة تستدعي الانتقال من نقاش أزمات الكهرباء والمياه والرواتب إلى النظر في الصورة الاقتصادية الأكبر، متسائلًا عن أسباب عدم انعكاس الموارد الموجودة في المحافظات المحررة على حياة المواطنين.

وقال إن وجود الموارد لا يعني بالضرورة وجود اقتصاد قوي، مشيرًا إلى أن الثروة يمكن أن تتحول إلى إنفاق واستهلاك بدل أن تتحول إلى استثمار وإنتاج.

وتساءل: هل تتحول الإيرادات إلى مصانع؟ ومحطات كهرباء مستدامة؟ وشبكات مياه وصرف صحي؟ وطرق وموانئ؟ ومدارس وجامعات ومستشفيات قادرة على المنافسة؟ وهل تسهم في بناء قطاع خاص منتج يخلق فرص العمل ويستطيع المنافسة والتصدير؟

أم تتحول إلى رواتب وإنفاق استهلاكي ومشاريع متعثرة وشبكات مصالح؟

وأكد أن السؤال الأهم ليس فقط: كم أنفقت الدولة؟ وإنما: ماذا بقي بعد الإنفاق؟

وأوضح أن محطة كهرباء تعمل بكفاءة لسنوات طويلة أصل، وشبكة مياه تخدم مدينة أصل، وطريق يربط مناطق الإنتاج بالأسواق أصل، وميناء أكثر كفاءة أصل، ومستشفى ومدرسة قادران على تقديم خدمة مستدامة أصول ترفع قدرة الدولة على الاستمرار.

أما الأموال التي تنفق دون أن تترك وراءها قدرة إنتاجية أو خدمة مستدامة، فهي، بحسب المسبحي، لا تبني اقتصادًا، وإنما تمول دورة استهلاك.

ورأى المسبحي أن تحميل الفساد وحده مسؤولية الأزمة لا يقدم تفسيرًا كاملًا، موضحًا أن الدولة قد تنفق أموالًا بطريقة قانونية لكنها غير منتجة، وقد تنفذ مشروعًا ضروريًا ثم تهمل صيانته، أو تزيد الإنفاق على قطاع دون إصلاح طريقة إدارته.

وأضاف أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل سُرق المال؟ بل أيضًا: هل استُخدم المال بطريقة صنعت قيمة؟

وأكد أن الدولة التي لا تسرق المال، لكنها تنفقه دون استراتيجية إنتاجية واضحة، يمكن أن تصل في النهاية إلى نتيجة مشابهة: موارد موجودة، وخدمات ضعيفة، واعتماد متزايد على الاستيراد والقطاع الخاص.

وحذر المسبحي من أن الإيرادات قد تتحول من فرصة لبناء الدولة إلى وسيلة لتأجيل الإصلاح، فطالما توجد الإيرادات يمكن تأجيل بناء اقتصاد منتج، وطالما يمكن دفع الرواتب يمكن تأجيل إصلاح المؤسسات، وطالما يمكن تمويل مشروع جديد يمكن تأجيل صيانة المشروع القديم.

وقال إن المواطن، طالما استطاع شراء الخدمة من السوق، قد يصبح في نظر صانع القرار أقل ضغطًا على الدولة لإصلاح الخدمة العامة.

وأضاف أن الإصلاح الحقيقي أكثر صعوبة من الإنفاق؛ لأنه يتطلب تغيير قواعد العمل، وإعادة ترتيب الأولويات، وقياس الأداء، وربط الإنفاق بالنتائج.

وأشار المسبحي إلى أن المواطن قد لا يعرف تفاصيل الموازنة أو آليات إدارة المناقصات وسلسلة القرار داخل مؤسسات الدولة، لكنه يعرف جيدًا مقدار ما يدفعه.

يعرف قيمة منظومة الطاقة الشمسية، وسعر البطارية، وكلفة صهريج الماء، وفاتورة المستشفى، ورسوم المدرسة، ويعرف كم يتبقى من دخله بعد دفع كل ذلك.

ولذلك، يرى أن الاقتصاد الحقيقي لا يظهر فقط في مؤشرات النمو والإيرادات والإنفاق، وإنما في سؤال أكثر بساطة:

وأكد أن ارتفاع كلفة الحياة لا يرتبط فقط بانخفاض دخل المواطن، وإنما أيضًا بتحمله أعباء خدمات كان يفترض أن توفر الدولة جزءًا أساسيًا منها.

وبذلك، وفق المسبحي، يتحول المواطن تدريجيًا من مواطن يتلقى حقوقه إلى مستهلك يشتري احتياجاته، فيدفع للدولة، ثم يدفع للسوق، ثم يدفع من وقته وراحته وأمانه الاقتصادي.

«إنه يدفع مرتين»، كما يقول.

السؤال الذي يبقى

واختتم الكاتب الصحفي محمد المسبحي مقاله بالتأكيد على أن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة غنية ليس أن تنفد أموالها، وإنما أن تبقى أموالها وثرواتها موجودة، بينما تتآكل قدرتها على تحويلها إلى حياة أفضل للمواطن.

وقال إن الدولة قد تتحول إلى ما يشبه الصندوق المالي الضخم الذي يجمع الإيرادات، ويدفع الرواتب، ويمول المشاريع، ويعيد توزيع المال، لكنه لا يبني بالضرورة اقتصادًا منتجًا أو خدمات عامة تليق بحجم الثروة.

وأضاف: «بلدنا لا يعاني من فقر الثروة، بل يعاني من فقر تحويل الثروة إلى دولة».

وفي المشهد الأخير من مقاله، يعود المسبحي إلى ذلك الأب الذي يجلس في نهاية الشهر، يفتح محفظته، ويحسب ما دفعه للكهرباء والماء والعلاج والتعليم، ثم يكتشف أنه دفع للدولة، ودفع للسوق، ودفع من عمره وراحته أيضًا.

يرفع رأسه نحو أطفاله.

لا يريد رفاهية، ولا يريد دولة مثالية.

يريد فقط حياة طبيعية.

ويختتم مقاله بالسؤال:

«وحين تصبح الحياة الطبيعية نفسها خدمة يجب على المواطن أن يشتريها من ماله الخاص، فهنا لا يعود السؤال: أين ذهبت الكهرباء؟ أو أين ذهب الماء؟ أو أين ذهبت الأموال؟

بل يصبح السؤال الأعمق: أين ذهبت الدولة؟»