الوطن العدنية /كتب/ نبيل غالب
لم تعد المنحة الدراسية في اليمن جائزة للتميز.. بل صارت "ميراثاً عائلياً" يوزع بالولاء والمحسوبية. هذا ما كشفه تقرير اللجنة الحكومية لمراجعة قوائم المبتعثين، الصادر في 27 فبراير 2023، والذي تم التكتم عليه حتى اليوم.
التقرير لم يكن مجرد مراجعة إدارية. كان اعترافاً رسمياً بأن بوابة المستقبل لأبناء اليمن قد أُغلقت في وجه المتفوقين، وفتحت على مصراعيها أمام أبناء المسؤولين والسفراء وأصحاب النفوذ.
الأرقام التي أوردها التقرير صادمة. فقد رصدت اللجنة 508 حالات لأخوة مبتعثين في الخارج، موزعين في مصر وتركيا والسودان وروسيا، وبعضهم يدرس في دولة واحدة والبعض الآخر موزع على أكثر من دولة. كما أظهرت الكشوفات وجود المئات من العائلات استفاد أكثر من فرد فيها من مقاعد الابتعاث. وخلصت اللجنة إلى أن حالات ابتعاث الأخوة والعائلات شكلت مجتمعة نحو 33% من إجمالي المبتعثين. أي أن ثلث مقاعد الابتعاث تقريباً ذهبت لقرابات بعينها وليس لطلاب تنافسوا بشرف.
والمفارقة الموجعة أن بعض العائلات حصلت على عدد من المقاعد يفوق ما حصلت عليه جامعات حكومية بأكملها. ففي الوقت الذي لم تحصل فيه بعض الجامعات الحكومية إلا على مبتعث واحد، تجاوز نصيب بعض العائلات أكثر من 10 مقاعد. معظم هذه الحالات تعود بحسب التقرير إلى أبناء مسؤولين وشخصيات ووجاهات في الدولة.
ولم يتوقف العبث عند هذا الحد. رصدت اللجنة قيام البعض بتعديل الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة لإخفاء صلة القرابة، كما وثقت حالات قامت فيها وزارة التعليم العالي بإحلال أحد الأخوة مكان أخيه المنقطع أو المتخلف عن المنحة في بعض الدول. ممارسات توحي بالتعامل مع المنحة باعتبارها "حقاً عائلياً" ينتقل بالوراثة، وليس استحقاقاً عاماً يخضع لمعايير واضحة.
الكارثة لا تقف عند المحسوبية فقط، بل تمتد إلى هدر المال العام. انتقد التقرير ابتعاث طلاب للدراسة في الخارج في تخصصات متوفرة في نحو 90% من الجامعات اليمنية، خصوصاً التخصصات الإنسانية كاللغة العربية والتاريخ والإدارة وعلم الاجتماع وعلوم القرآن. وبلغ عدد المبتعثين في هذه التخصصات من الجامعات الحكومية 233 طالباً وطالبة بنسبة 36% من الإجمالي، بتكلفة تصل إلى أكثر من 433 ألف دولار في الربع الواحد، وبما يقارب 1.7 مليون دولار سنوياً. أموال كان من الأولى توجيهها لتطوير الأقسام العلمية في الداخل بدلاً من صرفها على تكرار ما هو موجود.
وزاد الطين بلة سوء اختيار الوجهات الدراسية. فقد وثق التقرير ابتعاثاً لدراسة اللغة العربية في دول غير عربية، وآداب اللغة الإنجليزية في دول غير ناطقة بها، وحالات ابتعاث لا تراعي أي مواءمة بين التخصص واحتياجات التعليم العالي في اليمن. كما خصصت مئات المنح لدول بعينها غلبت عليها التخصصات الإنسانية، رغم توفرها محلياً بشروط أفضل وتكلفة أقل.
وخلص التقرير إلى أن مراجعة قوائم الابتعاث كشفت عن اختلالات جسيمة في معايير الاختيار والتوزيع، وعن تدخلات عائلية ومحسوبية حرفت مسار الابتعاث عن هدفه الأساسي.
أمام هذا الواقع لم يعد مقبولاً الصمت أو التبرير. نضع هذا الملف أمام الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ووزارة التعليم العالي بكل وضوح: أوقفوا فوراً كل المنح المرتبطة بحالات الفساد والمحسوبية الواردة في التقرير واستردوا ما أمكن منها. حاسبوا كل من سهل ووقع وأحال هذه الكشوفات، من أعلى الهرم إلى أسفله. وفعلوا ضوابط شفافة وصارمة للابتعاث تعلن للجميع، وتربط التخصصات باحتياجات الجامعات وسوق العمل، وتحظر احتكار أكثر من فرد من الأسرة الواحدة لمقاعد الدراسة.
المنحة الدراسية ليست منّة من أحد. هي استثمار في عقل الوطن وحق للمتفوقين. فحين تتحول إلى صفقة عائلية، لا تسألوا بعدها لماذا تهاجر العقول.. ولماذا تبقى الدولة بلا كفاءات.
للتأمل:
مقعد دراسي واحد يُمنح بالمحسوبية هو مستقبل طالب مستحق تم قتله مرتين: مرة بحرمانه، ومرة بتحويل حلمه إلى امتياز لا يستحقه.