مقالات وآراء

الخميس - 10 سبتمبر 2026 - الساعة 05:06 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/عاتق لحول

ما يحدث في الساحل الغربي لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد معركة عسكرية بين الحوثيين وقوات طارق صالح. المسألة أكبر من ذلك بكثير؛ فهي قد تكون جزءًا من إعادة رسم كاملة لخريطة القوى العسكرية التي نشأت في اليمن بدعم إماراتي خلال السنوات الماضية.

قوات المقاومة الوطنية، والعمالقة، والقوات التهامية، تشكلت أساسًا ضمن منظومة عسكرية ارتبطت بالدعم الإماراتي، وكانت المخا مركز ثقلها. ولذلك فإن سقوط المخا، إذا حدث، لن يكون مجرد خسارة مدينة، بل ضربة لمشروع عسكري كامل.

والسؤال الأخطر هنا:

هل يُترك طارق صالح ليخسر قواته ومواقعه تدريجيًا، ثم تأتي مرحلة إعادة الهيكلة تحت عنوان “توحيد القوات”؟

هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع ما يجري في الجنوب.

ففي حضرموت والمهرة، انتقلت المعسكرات إلى قوات درع الوطن، وأعلن رشاد العليمي نجاح عملية استلام المعسكرات من القوات التابعة للمجلس الانتقالي. كما وصف العليمي إنهاء الوجود العسكري الإماراتي بأنه جزء من “تصحيح مسار التحالف”.

وهنا تبدأ المقارنة التي يجب ألا يتجاهلها أحد:

ما جرى للانتقالي في حضرموت يمكن أن يتحول إلى نموذج لما سيجري للقوات المدعومة إماراتيًا في الساحل الغربي.

إذا فقدت قوات طارق صالح المخا، فلن تكون المشكلة فقط في خسارة الأرض، بل في انهيار مبرر بقاء القوة بالشكل الذي تشكلت به خلال السنوات الماضية.

وبعدها يمكن أن يظهر الحل المعروف:

إعادة الهيكلة، الدمج، توحيد القيادة، وإعادة توزيع الولاءات.

وهنا تحديدًا يصبح اسم حمدي شكري حاضرًا في المعادلة، خصوصًا مع التقارير التي تحدثت عن تعيينه في قيادة جبهة المخا وإصداره توجيهات لمنع الانسحاب.

لكن يجب التمييز بين ما هو واقع الآن وما هو سيناريو سياسي محتمل: لا توجد أمامنا أدلة موثوقة تثبت أن السعودية اتخذت قرارًا نهائيًا بتسليم العمالقة لحمدي شكري أو سحب القيادة من أبي زرعة المحرمي. هذه قراءة محتملة لمسار الأحداث وليست قرارًا معلنًا.

لماذا طارق صالح هو الحلقة الأخطر؟

لأن طارق لا يمثل مجرد قائد عسكري.

هو يمثل قوة عسكرية مستقلة نسبيًا، لها قيادة وهيكل وقرار ونفوذ جغرافي وسياسي.

ولهذا فإن إضعافه أو تفكيك قواته سيغير ميزان القوى في تعز والساحل الغربي، وربما يفتح الباب أمام مشروع جديد عنوانه:

قوات موحدة تحت نفوذ سعودي مباشر، بدل تعدد القوى المرتبطة بالإمارات.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

إذا كانت السعودية تريد إنهاء النفوذ العسكري الإماراتي في اليمن، فهل سيكون التخلص من إرث الإمارات في الساحل الغربي هو المرحلة التالية بعد حضرموت؟

ولكن هناك مفارقة خطيرة

السماح للحوثي بالاقتراب من المخا، إن صحت التقارير الميدانية المتداولة، قد يحقق للسعودية هدفًا سياسيًا محتملًا، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطرة استراتيجية هائلة.

لأن الحوثي إذا وصل إلى المخا، فلن تكون النتيجة فقط إضعاف طارق صالح.

بل سيقترب من:

باب المندب، والممر البحري، والساحل الغربي، وخطوط الملاحة الدولية.

وهذا يجعل السؤال الحقيقي:

هل الهدف هو إعادة هيكلة القوات بعد إضعافها، أم أن الحسابات السياسية ذهبت بعيدًا إلى درجة أصبح معها الحوثي هو المستفيد الأول؟

فالمخا ليست مدينة عادية. التحليلات الاستراتيجية الحالية تعتبرها مركزًا حساسًا في معادلة البحر الأحمر، خصوصًا بسبب قربها من باب المندب.

العمالقة.. الحلقة التالية؟

إذا انتهى نفوذ طارق صالح في الساحل، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه مباشرة هو:

من التالي؟

الاحتمال السياسي الذي يستحق الدراسة هو ألوية العمالقة.

فالعمالقة ليست قوة عسكرية عادية؛ إنها واحدة من أكبر التشكيلات التي ارتبط تأسيسها ودعمها بالإمارات، ويقودها أبو زرعة المحرمي. وبالتالي فإن إعادة هيكلتها تعني عمليًا إعادة توزيع واحد من أهم مراكز القوة العسكرية الجنوبية.

ولو انتقلت القيادة مستقبلًا إلى شخصيات أقرب إلى السعودية، مثل حمدي شكري، فستكون النتيجة المحتملة:

درع الوطن + القوات المعاد هيكلتها + العمالقة بعد إعادة تنظيمها = منظومة عسكرية جنوبية أكثر ارتباطًا بالرياض.

وهذا يشبه، من حيث النمط السياسي لا التفاصيل العسكرية، ما حدث في حضرموت عندما انتقلت المعسكرات إلى درع الوطن.

وهنا يجب أن يُطرح السؤال على السعودية والإصلاح والعليمي وطارق معًا:

إذا كانت هناك معركة حقيقية مع الحوثي، فلماذا تُترك القوات التي تقاتله منذ سنوات لتدخل في حالة استنزاف وانهيار وإعادة انتشار؟

وإذا كانت المسألة إعادة ترتيب للمعسكر المناهض للحوثي، فلماذا لا يُعلن ذلك بشفافية؟

وإذا كان الهدف هو توحيد القوات، فلماذا لا يتم التوحيد باتفاق سياسي واضح، بدل أن يبدأ من انهيار قوة على الأرض ثم يأتي قرار الهيكلة بعدها؟

الأخطر أن الحوثي قد يكون هو المستفيد من هذا الصراع الداخلي.

فبدل أن يواجه جبهة واحدة، يجد أمامه قوى تتصارع على النفوذ والقيادة والتمويل والولاء.

وهذه هي أخطر معادلة في اليمن: أن يخسر الحوثي مواقع عسكريًا، لكنه يربح سياسيًا من تفكيك خصومه.

الخلاصة

ما يجري في المخا، إذا استمرت التطورات الحالية، قد يكون أكبر من سقوط مواقع عسكرية.

قد نكون أمام مرحلة انتقال من النفوذ الإماراتي إلى النفوذ السعودي في إدارة القوات المناهضة للحوثي.

حضرموت كانت الاختبار الأول.

الساحل الغربي قد يكون الاختبار الثاني.

والعمالقة قد تكون الاختبار الثالث.

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل الجنوب والساحل معًا هو:

هل تريد السعودية توحيد القوات لمواجهة الحوثي، أم إعادة تشكيلها بحيث تصبح كل القوة العسكرية في الجنوب والساحل تحت قيادة ونفوذ سعودي واحد؟

وإذا كان الثاني هو الهدف، فالسؤال الأصعب:

هل كان سقوط قوات طارق أمام الحوثي فشلًا عسكريًا فقط… أم أن هناك من يرى في إضعافها الطريق الأقصر لإعادة تشكيل الخريطة العسكرية اليمنية بالكامل؟