مقالات وآراء

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 07:24 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/عدن

ليس جديدًا على مليشيا الحوثي الإمامية أن تُمارس هوايتها القديمة في "إخراج المشاهد المسرحية" كلما ضاقت بها الحيل وفَشِلَت رِهاناتها. مسرحية جمع المشايخ الكرتونيين، وعلى رأسهم بيادق التسبيح بحمد الكهف كـ "حسين حازب"، ليست سوى تدويرٍ للمُفلِسين، واستنساخٍ لمشاهد العجز التي دأبت الجماعة على عرضها كلما أحست بالظمأ إلى نفط صافر وغازها، أو كلما أرادت التغطية على أزماتها الداخلية بمغامرة انتحارية جديدة.

يموت الحوثي عطشًا عند حواف صافر، ويقتله الجوع وهو يرى نفط مأرب وغازها يُغذي شرايين الجمهورية والكرامة. لهذا، حين يضيق الخناق على مشروع الكهف، لا يجد عبدالملك الحوثي سوى التفتيش في أرشيفه المفلس؛ فيستدعي بيادقه الرخيصة وعلى رأسهم حسين حازب والزايدي وغيرهم من مشايخ الغفلة الذين يلوثون أعراف القبيلة وينحنون لتقبيل أقدام الكهف، صابغًا على كومبارس المليشيا ألقابًا لا يستحقونها، ومصدرًا بيانات التحريض ذاتها ضد المدينة والوادي، تحت لافتات شماعة "العدوان والمرتزقة".

وكم يُدمي القلب وينكأ الجراح أن ترى شواهد النكران، وأنت تستمع للزايدي وهو ينطح ويؤدي دور الكومبارس في مسارح المليشيا، وهو ذاته الشخص الذي اندفعت قياداتٌ وشخصياتٌ في الشرعية للتضامن معه باسم داعي القبيلة والأخوة عند القبض عليه، فنراهم اليوم يرتمون في أحضان قاتلي أبناء جلدتهم بلا خجل ولا مروءة.

يُعيدون اليوم التلويح بـ "مبادرة 2021"، ويحلمون باقتسام ثروات المحافظة وتمرير أنبوب صافر-رأس عيسى، ويتوهمون أن نشوة الاستعراض في المخا وباب المندب والبحر الأحمر قد تمنحهم مجدًا زائفًا على أسوار مأرب. تناسوا أن هذه المبادرة ولدَت ميتة يوم كانت حشودهم عند تخوم الكسارة والبلق، قبل أن تُطرد فلولهم من مديريات شبوة الغربية وحريب جنوب مأرب، وتُرغمهم بنادق الأحرار على القبول بالهدنة الأممية في إبريل 2022م صاغرين.

إن نسيت قيادة الكهف، فإن جبال مأرب ووديانها تحفظ أسماء القيادات العسكرية والميدانية التي دفع بها الحوثي وظنت أن دخول المدينة مجرد نزهة؛ حيث لقي اللواء عبداللطيف حمود المهدي قائد ما تسمى المنطقة العسكرية الرابعة مصرعه بغارة جوية، بينما جرفت أوهام السيطرة أبو خالد السفياني قائد جبهة الكسارة الحوثية، وسقط قبلهما قصي العماري "أبو ذنوب" قائد كتيبة التدخل السريع عند أول ساتر جمهوري.

قائمة طويلة من "قادة القناديل" والقيادات البارزة تحولت أوهامهم في مأرب إلى ركام، وحُمّلت أجسادهم في قوافل لا تنتهي نحو المقابر، حتى أضحت مأرب المحرقة والأكثر استنزافًا التي تبتلع نخبة المليشيا وحرسها العقائدي.

ولعلّ على الحوثيين وأذيالهم اليوم أن يعودوا لقراءة التاريخ بوعي، وبالأخص تاريخ هذا "الوادي" الذي يستهدفونه في بياناتهم؛ فلو رجعوا إلى ما دوّنه عالم الآثار المصري الدكتور أحمد فخري في كتابه الشهير "رحلة أثرية إلى اليمن" حين زار مأرب عام 1947م، لأدركوا الحقيقة التاريخية الصلبة: إن سلطة الأئمة النواصب لم تطأ أقدامهم أرض مأرب ووديانها أبدًا، بل كانت الإمامة تعيش رعبًا دائمًا وتخاف حتى مجرد التفكير في دخول مناطق قبائل مأرب الشماء التي ظلت حرة استعصت على قهرهم وطغيانهم عبر العصور.

لكن مأرب ليست مجرد مدينة تقاتل من أجل نفسها، وليس المقصود هنا أحفاد الدم والنسب، وإنما أحفاد المواقف والمبادئ؛ رجال يرفضون الإمامة والاستبداد، ويتمسكون بالجمهورية والحرية والكرامة. يقاتل فيها أحفاد علي عبدالمغني، وأحمد يحيى الثلايا، ومحمد محمود الزبيري، وأحمد محمد النعمان، وراجح غالب لبوزة، وعلي ناصر القردعي، وأحمد فتيني جنيد قائد ثورة الزرانيق. يقاتل فيها أحفاد عمر المختار شيخ المجاهدين وأسد الصحراء، وأحفاد صلاح الدين الأيوبي، وعبدالرحمن الغافقي، وعبدالرحمن الداخل، وطارق بن زياد، وخالد بن الوليد، وموسى بن نصير، ويوسف بن تاشفين، وسيف الدين قطز، ومحمد الفاتح.

إن المعركة في مأرب ليست مجرد نزاع جغرافي أو صراع على الموارد، بل هي صدمة الوعي والجمهورية في وجه الكهف والإمامة. جاء الحوثيون إليها بمشروع السلالة والسلاح، ووجدوا أمامهم شعبًا يحمل ذاكرة الثورة، وروح الجمهورية، وإرادة لا تنكسر.

إذا كان الحوثي يُريد التحرّك نحو مناطق مأرب المحررة في مديريتي المدينة والوادي تحت شعارات التحريض وادعاء أنها "محطة ومنطلق للعدوان وتجميع المرتزقة"، فليعلم أن مأرب لم تتغير: أرضٌ محرمة على المشروع السلالي، ومقبرةٌ مفتوحة لكل من تسول له نفسه المساس بجمهورية اليمنيين وكرامتهم. مأرب لم تكن ولن تكون طريقًا إلى صنعاء بالنسبة للحوثيين.. بل كانت وستبقى مقبرة لمشاريعهم وأحلامهم، والقلعة التي لا تُقهر، والحد الفاصل بين عصر العبودية وروح الجمهورية.

مأرب ليست ورقة تفاوض على طاولة جماعة مسلحة، وثرواتها ليست غنيمة حرب. وأي حديث عن النفط والغاز والإيرادات يجب أن يكون في إطار الدولة ومؤسساتها وحقوق جميع اليمنيين، لا عبر لغة التهديد أو استدعاء الحرب من جديد.

فالمشكلة في مأرب ليست أن الحوثي لم يجد من يشرح له طريقها؛ المشكلة أن الطريق الذي حاول أن يفتحه بالسلاح خلال السنوات الماضية كان أكثر كلفة عليه مما توقع.