مقالات وآراء

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 09:48 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان

أي شخص لا يمتلك عقيدة ومبدأً راسخاً، ولا يستند إلى قناعة وطنية واضحة، قد لا يصمد طويلاً أمام الآلة الإعلامية والنفسية للجماعة الحوثية. ومع الوقت، قد يتحول من شخص يعتقد أنه يحارب الحوثيين إلى أداة تخدم خطابهم، وتردد روايتهم، وتطعن في خصومهم، وقد يصل به الأمر إلى السباب والشتائم والطعن في الصحابة وعِرض الرسول.
تحية لكل من يقف على أرضية عقائدية ووطنية صلبة، ولكل من لا تجرّه الحملات الإعلامية ولا تغيّره المصالح والمواقف المتقلبة. وطوبى للإصلاحيين والسلفيين، أحسدهم أنا في هذا بس! إحنا يمكن ما نصمد، والذي بلا عقيدة يضيع، إلا أن نسأل الله الثبات لنا.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف أمر طبيعي، ولا في نقد الأخطاء والفساد، فالنقد حق وضرورة. المشكلة حين يتحول الخلاف إلى خصومة عمياء، ويصبح إسقاط الخصم الجمهوري أهم من مواجهة الحوثي، وتتحول الخصومات الحزبية والشخصية إلى مادة جاهزة تخدم الجماعة الحوثية، سواء أدرك أصحابها ذلك أم لم يدركوه.
انظروا إلى الآلة الإعلامية الحوثية، وإلى الأسماء والوجوه التي تتصدر خطابها، من عزالدين عامر، وحسين الأملحي، وجحاف، ومحمد علي الحوثي، وأبو علي الحاكم، والمومري، وعبد الغني الزبيدي، وحميد رزق، وأحمد حامد، ورضوان الحيمي، وراشد الحداد، وعبدالملك العجري، وعلي القحوم، وعيسى الليث، ويحيى الشامي، وأحمد الرازحي، وأحمد علاو، وأحمد حجر، ومحمد عبدالسلام، وضيف الله الشامي، وحسين العزي، ومحمد البخيتي، وحزام الأسد، ومحمد المنصور، وطلال عقلان، وسليم المغلس، وعبدالقدوس الشرفي، ومحمد الفرح، وحسين حازب، وحسن الصعدي، وعلي العماد، وإبراهيم الديلمي، وعبدالقادر المرتضى، وعبدالمجيد الحوثي، وعبدالإله حجر، وعبدالحافظ معجب، وعامر عبدالجندي، وغيرهم من الأسماء والوجوه التي تتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي للجماعة.
هذه ليست مجرد أسماء تظهر في نشرات الأخبار أو على الشاشات؛ إنها جزء من مشهد إعلامي وسياسي واسع، تتداخل فيه التصريحات والتعبئة والرسائل الموجهة، ويجري توظيفه لتثبيت رواية الجماعة ومهاجمة خصومها. ومن هنا يجب أن نفهم أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل معركة على الوعي والمفاهيم والمواقف أيضاً.
خذوا مثلاً ما يُتداول عن «أبو مصطفى الحوثي»، وما يطرحه عبدالرحمن الأهنومي، الذي أصفه بأنه منتحل منصب رئيس تحرير صحيفة الثورة، إلى جانب الأسماء الحركية مثل «أبو هادي الحوثي» و«أبو طه»، وما يظهر في بعض الحسابات الوهمية أو مجهولة الهوية. المهم هنا ليس الاسم وحده، بل الدور الذي يؤديه المحتوى، والرسالة التي يريد إيصالها، والجهة التي تستفيد من انتشاره.
هناك خطاب دعائي متكرر، وحسابات تنشط في أوقات محددة، وصفحات تعيد نشر المواد نفسها، ومقاطع تُقتطع من سياقها، وأصوات يجري تداولها على أنها تصريحات أصلية بينما تحتاج إلى التحقق من صحتها ومصدرها. كما أن ما يُنشر عبر قنوات مثل «الهوية» وغيرها يستحق الرصد والتحليل، لا الاكتفاء بتلقيه أو إعادة تداوله دون تمحيص.
وتظهر خطورة التضليل أكثر عندما تُستخدم مقاطع من سوريا أو من أحداث أخرى، ثم تُقدَّم في سياق يمني مختلف، أو تُركَّب عليها أصوات وتعليقات توحي بأن شخصاً بعينه قال أو فعل شيئاً لم يثبت أنه صدر عنه. وتبقى قصة الصوت المنسوب إلى طارق صالح مثالاً على ضرورة التحقق من التسجيلات ومصادرها قبل البناء عليها أو تحويلها إلى مادة للخصومة السياسية.
قد لا يستطيع المتلقي العادي التمييز بين التسجيل الحقيقي والمركب، أو بين الخبر والمادة المفبركة، خصوصاً عندما تتكاثر الحسابات التي تعيد نشر المحتوى نفسه، وتدخل التعليقات الموجهة على الخط، وتتحول المسألة إلى موجة واسعة من الاتهامات والتشكيك. وهنا لا بد من السؤال: من أنتج المادة؟ من نشرها أولاً؟ ما سياقها الأصلي؟ ومن المستفيد من انتشارها؟
ولا يتوقف الأمر عند الداخل اليمني؛ فالأحداث الإقليمية، وفي مقدمتها ما يجري في غزة، أصبحت حاضرة في الخطاب الدعائي والسياسي، كما يجري الاستناد إلى مواقف بعض المؤثرين الأجانب والعرب لتقديم روايات تخدم توجهات معينة. واستثمار القضايا الإنسانية لا يعني بالضرورة أن كل من يتناولها يعمل لصالح الحوثيين، لكنه يفرض علينا التمييز بين الموقف الإنساني الصادق وبين توظيف المآسي لتبرير الانقلاب أو مهاجمة خصوم الجماعة أو تبييض صورتها.
ثم يأتي دور جيش غفير من الحسابات والمتفاعلين، بعضهم قد يكون مقتنعاً بما يردد، وبعضهم تحركه الكراهية، وبعضهم يبحث عن الإعجابات والانتشار، وبعضهم لا يدرك أنه يكرر خطاباً يستفيد منه الحوثيون. وهؤلاء جميعاً قد يلتقون، من حيث النتيجة، عند مهاجمة الشرعية ورئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وطارق صالح، وسلطان العرادة، وعبدالرحمن المحرّمي «أبو زرعة»، وعيدروس الزبيدي، وسلطان البركاني، ومعين عبدالملك، وشائع الزنداني، وعلي محسن الأحمر، وحميد الأحمر، واليدومي، وتوكل كرمان، وغيرهم، رغم اختلاف مواقع هؤلاء وتوجهاتهم ومواقفهم.
تارةً تُرفع شعارات «شرعية الفنادق»، و«حكومة الفنادق»، و«مرتزقة الرياض»، و«عملاء التحالف»، و«أدوات الخارج»، و«حكومة العمالة»، وتارةً تُوزَّع اتهامات «اللصوص والفاسدين» و«تجار الحروب» و«تجار الدماء». ويُصنَّف الخصوم تحت مسميات «الإخوان» و«الدواعش» و«المرتزقة»، وكأن تكرار الوصف يغني عن تقديم الدليل، وكأن كل خلاف سياسي لا بد أن ينتهي إلى التخوين والتشويه.
وهنا أقولها بوضوح: ليس معنى ذلك أن القيادات والمؤسسات فوق النقد، أو أن الفساد لا وجود له، أو أن كل قرار تتخذه الشرعية صحيح. بل إن النقد والمحاسبة ضرورة، لكنهما يختلفان عن حملات التشويه التي تخلط الوقائع بالشائعات، وتساوي بين الجميع دون أدلة، وتحوّل كل خطأ إلى ذريعة لإسقاط الدولة ومؤسساتها، بينما يظل الحوثي بعيداً عن المساءلة في نظر أصحاب هذه الحملات.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل يمني على نفسه: هل نقدي يهدف إلى إصلاح الخلل ومحاسبة المقصر، أم أنني أكرر خطاباً يصب في مصلحة الحوثي؟ هل أطالب بإصلاح مؤسسات الدولة، أم أشارك في هدم ما تبقى منها دون تقديم بديل؟ وهل أواجه الانقلاب، أم أستهلك وقتي وجهدي في تصفية الحسابات مع خصومي الجمهوريين؟
ما يحدث في بعض المساحات الإعلامية والسياسية يتجاوز النقد إلى حالة من العداء المتبادل، خصوصاً حين تصبح مهاجمة رشاد العليمي أو طارق صالح أو سلطان العرادة أو غيرهم غاية بحد ذاتها، وتُستحضر كل الأسماء والخلافات القديمة لتغذية الخصومة. عندها تتراجع القضية الكبرى، ويصبح الحوثي هو المستفيد من صراع لم يدفع ثمنه، بل يراقبه ويستثمر نتائجه.
والأخطر أن بعض الناس يتعاملون مع المسألة بمنطق: «كلهم فاسدون»، و«لا فرق بين أحد»، و«كل الأطراف سواء». هذه العبارات قد تبدو في ظاهرها تعبيراً عن السخط، لكنها حين تُطرح بلا تمييز ولا أدلة ولا مقارنة بين المواقف والوقائع، فإنها تلغي الفروق، وتساوي بين من يقف مع الدولة ومن انقلب عليها، وبين من يمكن محاسبته عبر المؤسسات ومن صادر المؤسسات نفسها.
وهكذا تُقدَّم للجمهور صورة مشوشة، يصبح فيها الجميع متهمين، وتختفي المسؤوليات المحددة، ويتحول الغضب الشعبي من أداة للمطالبة بالإصلاح إلى حالة من الإحباط وفقدان الثقة بكل شيء. وهذا بالضبط ما يجعل خطاب التشكيك الشامل خطيراً، حتى لو رفعه أصحابه تحت لافتة محاربة الفساد.
أما الخلافات الحزبية، فحدّث ولا حرج. الإصلاح والمؤتمر والاشتراكي والناصري، وسائر القوى الجمهورية، لكل منها تاريخها ومواقفها وأخطاؤها، لكن ما الفائدة من تحويل هذه الخلافات إلى حرب مفتوحة بين أطراف يفترض أنها تواجه عدواً مشتركاً؟ وما المكسب من أن ينشغل الجمهوري بتكسير الجمهوري، بينما تستمر الجماعة الحوثية في مشروعها وتستفيد من كل شرخ داخل الصف المناهض لها؟
هؤلاء لو وقفوا مع الإصلاح على عقيدة البناء، وأولئك لو وقفوا مع المؤتمر على عقيدة عارف الزوكا، أما بقية الدكاكين فخنبقوا خنباق في المخا! كل طرف يشد من جهة، وكل مجموعة تريد أن تثبت أنها صاحبة الحق المطلق، حتى تتسع الفجوة ويضيع الهدف.
وحين هاجم الحوثيون المخا، ثم امتدت المواجهات إلى تعز، كان يفترض أن تكون الأولوية لفهم الخطر وتوحيد الموقف الجمهوري، لا لإحياء المناكفات وتبادل الاتهامات. تعز ليست سهلة الحسم يا حوثيين، لكن حماية تعز والمخا وكل المناطق المحررة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بوعي سياسي وإعلامي وأمني، وبصف جمهوري يدرك أن خلافاته الداخلية لا ينبغي أن تتحول إلى ثغرات يستغلها خصمه.
ومن يتابع مسار الصراع منذ حروب صعدة يدرك أن الحوثيين استفادوا مراراً من الانقسامات والخصومات داخل معسكر خصومهم. لا يعني ذلك أن كل خلاف صُنع بأيديهم، ولا أن كل منتقد لهم خصم صالح أو أن كل منتقد للشرعية يخدمهم عمداً؛ بل يعني أن الجماعة تعرف كيف تستثمر التناقضات، وكيف تحول الخلافات القائمة إلى فرص سياسية وإعلامية.
وقد يجد بعض الناس أنفسهم، مع مرور الوقت، يكررون رسائل الجماعة أو يتبنون رواياتها دون أن يكونوا أعضاء فيها أو مؤمنين بمشروعها. وقد يدفع آخرون ثمن صراعات لا تخدمهم، فيتحولون إلى نازحين أو ضحايا أو أسرى، بينما تواصل القيادات التي أججت الخصومة توظيف النتائج لمصلحتها. ولذلك فإن الوعي لا يقتصر على معرفة خطاب الحوثي، بل يشمل أيضاً فهم الطريقة التي يستفيد بها من أخطاء خصومه.
إن مواجهة هذه الآلة لا تكون بمجرد شتمها أو وصف كل من يختلف معنا بأنه حوثي، بل بكشف التضليل بالدليل، والتحقق من التسجيلات والمقاطع، وفهم سياقات الأخبار، ورصد الحسابات التي تنشر المحتوى نفسه، ومقارنة الروايات بالمصادر المستقلة، والتمييز بين النقد المشروع وحملات التحريض والتشويه.
كما أن مواجهة الخطاب الحوثي تتطلب خطاباً جمهورياً مسؤولاً، لا يهرب من الأخطاء ولا يبرر الفساد، لكنه لا يسمح أيضاً بتحويل الأخطاء إلى وسيلة لهدم الدولة أو تبرير الانقلاب. فالجمهورية ليست شخصاً واحداً، ولا حزباً واحداً، ولا منطقة واحدة؛ إنها قضية وطنية أوسع من الحسابات الضيقة، وتحتاج إلى نقد وإصلاح ومحاسبة، كما تحتاج إلى التماسك أمام مشروع الانقلاب.
الخلاصة:
ما يجري ليس مجرد خلافات على مواقع التواصل، بل صراع على الوعي والرواية والثقة. وتستطيع الجماعة الحوثية الاستفادة من الحسابات الحركية، والكتائب الإلكترونية، والمنصات والقنوات الموجهة، والمقاطع المضللة، والتعبئة العقائدية، والانقسامات الحزبية، كلما غاب التحقق وتقدمت الكراهية على المصلحة الوطنية.
لكن لا يصح أن نعتبر كل حساب ناقد جزءاً من منظومة حوثية، ولا أن نثبت وجود شبكة منظمة أو عملية تضليل بعينها دون أدلة. المطلوب هو الرصد والتحقق والتوثيق، ثم كشف الوقائع أمام الناس؛ لأن قوة الخطاب الجمهوري لا تأتي من الاتهامات المقابلة، بل من صدقيته وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين النقد والتخريب، وبين الخلاف السياسي وخدمة الانقلاب.
في النهاية، أثبتت التجربة أن المراهنة على الخلافات البينية، وتبادل الاتهامات، وتصفية الحسابات، تجعل الجميع أكثر عرضة للاستغلال، وتمنح الحوثيين مساحة أوسع لتسويق روايتهم وإضعاف خصومهم. ولن يستقيم الوضع إلا بوعي جمهوري جامع يتسامى فوق المناكفات، ويحاسب المقصر، ويرفض الفساد، ويتمسك بالجمهورية، ويضع مواجهة الانقلاب واستعادة الدولة في مقدمة الأولويات.
وهذا خبري ولا جاكم شر، محدثكم: أحمد حوذان