عادوا من اغترابهم في المملكة العربية السعودية حاملين قرار المشاركة في الدفاع عن أرضهم، وعبروا البحر إلى عدن في خضم حرب 2015. خاضوا معارك التحرير، وسقط منهم شهداء وجرحى، ثم انتقلوا إلى مهام تأمين المدن والمحافظات المحررة. لكن مسيرة كتيبة سلمان الحزم، التي عُرفت بكتيبة المغتربين، لم تنتهِ بانتهاء الحرب؛ إذ واجهت لاحقاً خلافات قيادية ومطالب حقوقية، وانتهى بها المطاف إلى التفرق بين قياداتها.
تحتل كتيبة سلمان الحزم مكانة بارزة في ذاكرة المقاومة الجنوبية التي تشكلت خلال حرب عام 2015. فقد جمعت رجالاً من أبناء المحافظات الجنوبية كانوا يعملون في المملكة العربية السعودية، وقرروا العودة إلى اليمن والمشاركة في القتال، لتصبح الكتيبة واحدة من التشكيلات التي ارتبط اسمها بمعارك تحرير عدن ومناطق أخرى من الجنوب.
لم تكن حكاية الكتيبة مجرد قصة مجموعة مقاتلين عادوا من الاغتراب، بل مسيرة امتدت من التشكيل والاستعداد والعبور البحري إلى جبهات القتال، ثم إلى مهام التأمين بعد التحرير، وصولاً إلى مرحلة الخلافات والتهميش وتفرق الأفراد.
### من الاغتراب إلى حمل السلاح
مع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، قرر عدد من المغتربين الجنوبيين في المملكة العربية السعودية ترك أعمالهم والعودة إلى وطنهم للمشاركة في الدفاع عن مناطقهم. ومن هؤلاء تشكلت كتيبة سلمان الحزم، التي عُرفت بين الناس باسم �كتيبة المغتربين�.
وضمت الكتيبة أبناءً من مختلف المحافظات الجنوبية، جمعهم الاغتراب والعمل في المملكة، ثم وحدهم قرار العودة والمشاركة في الحرب. وكان من أبرز القيادات التي ارتبطت بتشكيلها العقيد علي يحيى الحوثري، وقاسم صالح الجوهري، والعقيد صالح أحمد السيد، فيما تولى الصحفي سامح جواس تغطية أخبار الكتيبة ونقل تفاصيل مسيرتها إلى الصحافة المحلية.
وتشير التقارير الصحفية التي نشرت خلال عام 2015 إلى أن التشكيل ضم دفعتين من المقاتلين؛ الأولى وصلت إلى عدن قبل الدفعة الرئيسية بنحو شهرين، والثانية عادت خلال شهر رمضان.
وبحسب تصريح العقيد علي الحوثري المنشور في ديسمبر 2015، بلغ عدد أفراد الدفعة الرئيسية 477 مقاتلاً، فيما ضمت الدفعة السابقة 84 مقاتلاً، ليصل مجموع التشكيل آنذاك إلى 561 فرداً.
وهكذا نشأت الكتيبة من رجال كانوا يعيشون حياة الاغتراب والعمل، قبل أن يجدوا أنفسهم في قلب واحدة من أشد الحروب التي شهدها الجنوب.
### رحلة العودة بحراً إلى ساحل البريقة
كانت رحلة الوصول إلى عدن واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الكتيبة. فقد عاد أفرادها من المملكة العربية السعودية بحراً، على متن ناقلة زيت، في رحلة انتهت بإنزالهم في ميناء الزيت بالبريقة، وفق روايات أفراد الكتيبة.
وصل المقاتلون إلى عدن في ظروف الحرب، ولم يكن أمامهم سوى الانتقال من مرحلة الاستعداد إلى المواجهة الميدانية. فقد كانت المدينة ومحيطها يشهدان معارك عنيفة، فيما كانت القوات والمقاومة تسعى إلى استعادة المواقع التي سيطرت عليها جماعة الحوثي والقوات المتحالفة معها.
وتميزت الكتيبة بأنها تشكلت من مغتربين عادوا من خارج البلاد، وليس من مقاتلين كانوا موجودين في عدن منذ بداية الحرب. وقد منح ذلك رحلتها دلالة خاصة لدى أفرادها، الذين تركوا أعمالهم ومصادر دخلهم وتوجهوا إلى جبهات القتال.
### رأس عمران.. أول انتصارات الكتيبة
ارتبط اسم كتيبة سلمان الحزم بمعركة رأس عمران، التي تصفها قيادة الكتيبة بأنها أول انتصاراتها العسكرية وأول انتصارات المقاومة في عدن.
كانت رأس عمران إحدى المحطات المبكرة في المحور الساحلي الغربي لعدن، وشكلت المعارك فيها بداية انتقال أفراد الكتيبة من مرحلة الوصول والتجمع إلى الاشتباك المباشر مع القوات المعادية.
ومثلت تلك المعركة محطة معنوية مهمة للمقاتلين العائدين من الاغتراب، إذ خاضوا أولى مواجهاتهم في أرضهم، وارتبطت في ذاكرتهم ببداية مسيرة التحرير.
ومن رأس عمران، اتسعت مشاركة الكتيبة في جبهات القتال، لتصبح جزءاً من القوات التي خاضت معارك استعادة عدن ومناطق أخرى في الجنوب.
### في جبهات تحرير عدن ولحج وأبين ويافع
لم تتوقف مشاركة كتيبة سلمان الحزم عند رأس عمران، بل امتدت إلى عدد من جبهات الحرب، في عدن ولحج وأبين ويافع والمهرة إضافة إلى جبهات أخرى.
### عدن
كانت معارك تحرير عدن من أبرز محطات الكتيبة. فقد شارك أفرادها في القتال ضمن تشكيلات المقاومة والقوات التي تقدمت لاستعادة المدينة، وخاضوا مواجهات في محاور متعددة، في وقت كانت فيه عدن تشهد اشتباكات متواصلة وتدهوراً حاداً في الأوضاع الإنسانية والأمنية.
وبعد تحرير المدينة، انتقلت الكتيبة من مواقع القتال إلى مهام أخرى، في سياق إعادة تأمين المناطق والمنشآت التي استعيدت خلال الحرب.
### لحج
امتدت مشاركة الكتيبة إلى جبهات محافظة لحج، التي ارتبطت معاركها عسكرياً بعمليات تحرير عدن ومحيطها.
وشهدت المحافظة مواجهات في عدد من المحاور، وكان أفراد الكتيبة ضمن المقاتلين الذين شاركوا في معارك المناطق المحيطة بعدن، وفي عمليات التقدم وتأمين المواقع.
### أبين ويافع والمهرة
شاركت الكتيبة كذلك في جبهات أبين وفي تأمين يافع والمهرة ، ضمن مسيرة الكتيبة في التحرير والتأمين الذي امتد إلى مناطق متعددة من الجنوب.
ومع اتساع رقعة القتال، تنقل أفرادها بين الجبهات، في ظروف عسكرية صعبة، فيما تكبدت الكتيبة خسائر بشرية بين الشهداء والجرحى.
### باب المندب ومعسكر العمري
تحدث قائد الكتيبة في تقرير صحفي نشر في ديسمبر 2015 عن مشاركة أفرادها في جبهة باب المندب، وعن عمليات في المنطقة ومواقع قريبة منها، شملت تحرير معسكر العمري.
وقد عكست هذه المشاركة اتساع المهام التي كلفت بها الكتيبة خلال الحرب، وانتقالها بين محاور القتال المختلفة.
### قيادات ارتبطت بمسيرة الكتيبة
ارتبط تاريخ كتيبة سلمان الحزم بثلاثة أسماء قيادية ، كان لكل منها حضور في مراحل تشكيلها وعملياتها وما بعد الحرب.
### العقيد علي يحيى الحوثري
برز الحوثري قائداً للكتيبة خلال مرحلة التشكيل والعودة إلى عدن، وتحدث في التغطيات الصحفية عن أعداد أفرادها ومشاركتها في الجبهات وخسائرها.
وكان من أبرز الوجوه التي مثلت الكتيبة في تصريحاتها الإعلامية خلال عام 2015، قبل أن تشهد القيادة خلافات وتغييرات في العام التالي.
### قاسم صالح الجوهري
برز الجوهري في مرحلة لاحقة، وتولى قيادة الكتيبة عقب اجتماع ضباط وأفراد منها في يونيو 2016، ناقشوا خلاله أوضاع التشكيل ومطالب أفراده.
كما ارتبط اسمه بمتابعة قضايا المرتبات ومستحقات الشهداء والجرحى، وباللقاءات التي عقدها ممثلو الكتيبة مع مسؤولين حكوميين لمناقشة أوضاعها بعد التحرير.
### العقيد صالح أحمد السيد
كان صالح السيد من القيادات التي ارتبطت بمسيرة الكتيبة، ثم انتقل إلى مهام أمنية في محافظة لحج بعد الحرب.
وقد برز لاحقاً في قيادة قوات الحزام الأمني في المحافظة، في إطار مرحلة إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية في المناطق المحررة.
ويكشف انتقال بعض قيادات الكتيبة إلى مواقع عسكرية وأمنية بعد الحرب عن التحولات التي شهدتها التشكيلات التي نشأت في ميدان المقاومة، حيث انتقل عدد من قادتها إلى مسؤوليات جديدة، بينما واجه أفراد آخرون صعوبات في تسوية أوضاعهم وحقوقهم.
### شهداء وجرحى.. تضحيات في ميادين التحرير
كانت الخسائر البشرية من أثقل ما واجهته الكتيبة خلال الحرب. فقد سقط من أفرادها شهداء وجرحى في المعارك التي خاضتها، وتركوا وراءهم أسرًا تحملت آثار الحرب وفقدان أبنائها.
وفي تصريح نشر في ديسمبر 2015، تحدث قائد الكتيبة عن سقوط 33 شهيداً وأكثر من 110 جرحى في ذلك الوقت. وفي تقرير لاحق عن اجتماع الكتيبة في يونيو 2016، وردت حصيلة تجاوزت 130 شهيداً وجريحاً.
وتظل أسماء الشهداء وذكرياتهم جزءاً أساسياً من تاريخ الكتيبة، كما بقيت حقوق أسرهم والاهتمام بالجرحى من أبرز القضايا التي طرحها أفرادها بعد الحرب.
### من معارك التحرير إلى تأمين عدن والمحافظات المحررة
بعد تحرير عدن، لم تنتهِ مهام كتيبة سلمان الحزم. فقد انتقل أفرادها إلى المشاركة في تأمين المدينة ومواقع عسكرية ومنشآت ونقاط أمنية، ضمن الجهود التي أعقبت استعادة عدن.
وامتدت مهام التأمين، وفق روايات أفراد الكتيبة، إلى لحج وأبين والمهرة، في مرحلة شهدت إعادة ترتيب التشكيلات العسكرية والأمنية وتوزيعها على المحافظات المحررة.
وكانت هذه المرحلة مختلفة عن سنوات القتال؛ إذ انتقل أفراد الكتيبة من المواجهات المباشرة إلى مهام حفظ الأمن وتأمين المواقع، بينما بدأت تظهر قضايا جديدة تتعلق بالرواتب والمخصصات والتبعية العسكرية والإدارية.
وبينما انتقل بعض القادة إلى مسؤوليات أمنية وعسكرية، واجه عدد من أفراد الكتيبة مطالب تتعلق بمستحقاتهم وبحقوق الشهداء والجرحى، وهو ما برز في تقارير صحفية نشرت خلال عامي 2015 و2016.
### الخلافات القيادية وبداية تفرق الكتيبة
مع انتهاء المعارك الرئيسية، دخلت كتيبة سلمان الحزم مرحلة صعبة اتسمت بالخلافات القيادية والتوتر بشأن أوضاع الأفراد وحقوقهم ، وتنازع الحوثري والجوهري على القيادة مما أدى إلى تشتيت الأفراد وتهميش الكتيبة وإضعافها ، رغم أن الكتيبة تم ترقيمها عسكريا وضمت للمنطقة العسكرية الرابعة وقائدها الرسمي هو علي الحوثري
وبحسب روايات منتسبيها، أسهمت الخلافات بين القيادات الثلاث، علي الحوثري وقاسم الجوهري وصالح السيد، في شق الكتيبة وتفرق أفرادها بين القيادات، بدلاً من بقائها تشكيلًا موحداً يجمع المقاتلين الذين عادوا من الاغتراب وخاضوا معارك التحرير.
وهكذا، تحولت الكتيبة من تشكيل عسكري جمع مئات المقاتلين في بداية الحرب إلى مجموعة من الأفراد الذين تفرقت مساراتهم بين وحدات ومهام وقيادات مختلفة.
### التهميش والحقوق.. معاناة ما بعد الحرب
لم تكن الخلافات القيادية وحدها ما أثقل مسيرة الكتيبة بعد التحرير؛ فقد ظلت قضايا المرتبات والمخصصات وعلاج الجرحى ورعاية أسر الشهداء من أبرز المطالب التي رفعها أفرادها.
وتناولت تقارير صحفية معاصرة تأخر صرف الرواتب، ومطالبات الأفراد بتسوية أوضاعهم العسكرية، وتوفير الرعاية للجرحى، وصرف مستحقات أسر الشهداء.
وفي يوليو 2016، التقى رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر بقيادة الكتيبة وعدد من ضباطها وأفرادها، واستمع إلى مطالب تتعلق بالشهداء والجرحى والمرتبات والمهام الأمنية.
وعلى الرغم من استمرار ظهور اسم الكتيبة في سياق صرف مرتبات عدد من الوحدات العسكرية والأمنية في السنوات اللاحقة، فإن روايات أفرادها تتحدث عن تهميش وإقصاء، وعن تراجع التماسك التنظيمي الذي جمعهم في بداية الحرب.
وتبرز في هذه المرحلة مفارقة مؤلمة: رجال تركوا أعمالهم في المملكة العربية السعودية، وعادوا إلى اليمن للمشاركة في تحرير عدن، ثم وجد بعضهم أنفسهم بعد الحرب أمام معاناة تتعلق بالراتب والعلاج والحقوق العسكرية، فيما انتقل آخرون إلى مواقع ومسؤوليات جديدة.
### كتيبة المغتربين.. ذاكرة لا تختصرها الخلافات
إن تاريخ كتيبة سلمان الحزم لا يختزل في الخلافات التي أصابت قيادتها، ولا في تفرق أفرادها بعد الحرب. فمسيرتها بدأت بقرار العودة من الاغتراب، ومرت بمعارك التحرير، وشهدت تضحيات جسيمة، ثم انتقلت إلى مرحلة تأمين المدن والمحافظات المحررة.
وتبقى قصة الكتيبة جزءاً من تاريخ المقاومة الجنوبية خلال عام 2015، بما حملته من شجاعة وتضحيات، وبما واجهته لاحقاً من تحديات سياسية وعسكرية وحقوقية.
إن توثيق أسماء أفرادها وشهدائها وجرحاها، وحفظ شهادات من شاركوا في رحلة العودة والمعارك، يمثل ضرورة لحماية هذه الذاكرة من النسيان، وإنصاف الرجال الذين تركوا الاغتراب وعادوا إلى وطنهم في واحدة من أصعب مراحل تاريخه.
كتيبة سلمان الحزم، أو كتيبة المغتربين، حكاية رجال عادوا من الغربة إلى ميادين الحرب، وشاركوا في تحرير الأرض، ثم تفرقت مساراتهم بعد أن وضعت المعارك أوزارها. لكنها تظل، في ذاكرة منتسبيها، قصة عودة وتضحية ووفاء للوطن.