الوطن العدنية/كتب/أحمد حوذان
أعتقد أن المحادثات السعودية الإيرانية بمشاركة باكستان وتركيا تفتح نافذة جديدة أمام خفض التصعيد في المنطقة، لكنها لا تعني بالضرورة أننا أمام اتفاق تاريخي سينهي الصراع أو يعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي. وفي تقديري، فإن ما يجري أقرب إلى محاولة لاحتواء المواجهة ومنع اتساعها، قبل أن يكون مدخلًا لتسوية شاملة تنهي الخلافات المتراكمة بين الرياض وطهران.
أتوقع أن تتجه الأطراف خلال المرحلة المقبلة إلى تفاهمات محدودة تضمن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتمنح كل طرف فرصة لتجنب كلفة مواجهة إقليمية واسعة. وإذا نجحت هذه الجهود، فقد نشهد تراجعًا في مستوى التصعيد واتصالات سياسية وأمنية إضافية، لكنني لا أرجّح الوصول سريعًا إلى مصالحة استراتيجية تنهي جميع ملفات الخلاف؛ فالفجوة بين مواقف الأطراف أكبر من أن تُعالج باجتماع واحد أو بيان دبلوماسي.
وأرى أن الاختبار الحقيقي لهذه المحادثات لن يكون في التصريحات التي تتحدث عن السلام والاستقرار، بل في النتائج التي يمكن قياسها على الأرض، خصوصًا فيما يتعلق بأمن السعودية والهجمات والتهديدات المرتبطة بالحوثيين. فإذا تراجعت هذه الهجمات بصورة مستمرة، وظهرت مؤشرات عملية على ضبط التصعيد، فسيكون ذلك دليلًا على أن الحوار بدأ يتحول إلى تفاهم أمني حقيقي. أما إذا استمرت التهديدات بالوتيرة نفسها، فسيعني ذلك أن المحادثات لم تتجاوز بعد حدود إدارة الأزمة.
وفي تقديري، ستحاول إيران الاستفادة من المسار الدبلوماسي لتجنب مواجهة إقليمية واسعة، مع الاحتفاظ بأوراق النفوذ التي تملكها في المنطقة. وفي المقابل، ستسعى السعودية إلى تحويل أي تفاهم سياسي إلى ضمانات أمنية واضحة، لا إلى تعهدات عامة يمكن التراجع عنها عند أول اختبار. ومن هنا، أتوقع أن تكون المفاوضات شاقة، وأن تتقدم في بعض الملفات بينما تتعثر في ملفات أخرى.
أما باكستان، فيمكن أن تواصل دورها في تقريب وجهات النظر ونقل الرسائل بين الأطراف، فيما قد تدفع تركيا نحو توسيع الحوار ليشمل ترتيبات أمنية إقليمية. لكنني لا أعتقد أن اختلاف المصالح والحسابات بين الدول الأربع سيسمح بسهولة ببناء منظومة أمنية مشتركة؛ والأقرب، في رأيي، هو التفاهم على نقاط محددة تمنع الانفجار، مع استمرار الخلافات الجوهرية.
غير أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة هو: ماذا لو حُسمت المعركة في اليمن، وتدخلت القوات الحكومية بصورة واسعة لاستعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين؟ وهل يمكن لهذا التحول أن يقلب موازين التفاهمات السعودية الإيرانية ويغيّر حسابات المنطقة؟
في تقديري، نعم، إن استعادة صنعاء وعودة مؤسسات الدولة ستحدثان تحولًا كبيرًا في معادلة التفاوض، لأن استمرار سيطرة الحوثيين يمنح إيران ورقة نفوذ مؤثرة في اليمن، ويجعل الملف اليمني حاضرًا في أي ترتيبات أمنية تتعلق بالسعودية والبحر الأحمر. وإذا تغير هذا الواقع على الأرض، فستجد الأطراف الإقليمية نفسها أمام معادلة جديدة، لا يمكن التعامل معها بالآليات والحسابات ذاتها التي سادت خلال سنوات الحرب.
لكنني أرى أن هذا السيناريو يظل مرتبطًا بتحقق الحسم العسكري فعلًا، وليس بمجرد الإعلان عن بدء معركة أو تحقيق تقدم ميداني محدود. فاستعادة صنعاء تتطلب قدرة على مواصلة العمليات، وتوحيد الجهود العسكرية والسياسية، وتثبيت سلطة الدولة في المناطق المستعادة، ومنع عودة الصراع بصورة أخرى. كما أن أي تقدم عسكري قد يدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها والبحث عن تفاهمات سياسية جديدة، حتى قبل الوصول إلى حسم كامل.
وإذا استعادت الحكومة صنعاء وأنهت سيطرة الحوثيين، فقد تتراجع أهمية الورقة اليمنية في الحسابات الإيرانية، أو تتغير طريقة استخدامها في التفاوض الإقليمي. وفي المقابل، ستواجه القوى الإقليمية واقعًا جديدًا يستدعي التعامل مع الدولة اليمنية ومؤسساتها، بدل افتراض استمرار الوضع القائم. غير أن ذلك لا يعني تلقائيًا انتهاء النفوذ الإيراني في اليمن، ولا يعني أن استعادة العاصمة وحدها ستنهي جميع التحديات السياسية والأمنية.
أما إذا حققت القوات الحكومية تقدمًا من دون حسم كامل، فقد تتزايد أهمية المفاوضات، وقد يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسبه عبر تفاهمات سياسية. وإذا توسعت المواجهة من دون نتائج حاسمة، فقد تتعقد المحادثات السعودية الإيرانية، خصوصًا إذا استمرت الهجمات والتهديدات التي تمس أمن السعودية والممرات البحرية.
وبالنسبة إلى اليمن، أتوقع أن يبقى الملف الحوثي حاضرًا في أي تفاهم أمني يتعلق بالسعودية، لكنني لا أعتقد أن المحادثات وحدها ستنهي الحرب أو تدفع الحوثيين تلقائيًا إلى التخلي عن السلاح. كما أن استعادة صنعاء، إن تحققت، لن تكون مجرد تطور عسكري، بل ستفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وتضع مسؤولية كبيرة أمام الحكومة والقوى اليمنية في إدارة المرحلة التالية.
وستكشف المرحلة المقبلة جدية المسار الدبلوماسي من خلال مؤشرات واضحة، أبرزها تراجع الهجمات والتهديدات بصورة مستدامة، وظهور آلية لمتابعة أي تفاهمات وتنفيذها، واستمرار الاتصالات السياسية حتى عند وقوع خلافات ميدانية. أما الاكتفاء بالبيانات العامة من دون تغيير ملموس في سلوك الأطراف، فسيعني أن المحادثات لم تتجاوز مرحلة احتواء الأزمة.
بحسب تقديري: أتوقع أن نشهد محاولات إضافية لخفض التصعيد قبل الوصول إلى تسوية نهائية، وأن يكون منع المواجهة الإقليمية الواسعة هو الهدف العاجل للأطراف. لكن حسم المعركة في اليمن واستعادة صنعاء، إذا تحققا، قد يغيران موازين التفاوض ويعيدان تشكيل الحسابات الإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني وأمن السعودية ومستقبل الدولة اليمنية.
والرهان الحقيقي ليس على عدد الاجتماعات أو قوة البيانات، بل على ما ستنتجه الدبلوماسية من ضمانات عملية، وما ستحدثه التطورات الميدانية من تغيير في موازين القوى. فإذا تراجعت الهجمات الحوثية وظهرت تفاهمات قابلة للتنفيذ، فقد نكون أمام بداية تهدئة إقليمية. وإذا استعادت الدولة اليمنية عاصمتها وبسطت سلطتها، فستكون المنطقة أمام واقع مختلف يستدعي إعادة تقييم كثير من الحسابات.
هذا ما أتوقعه بناءً على مصالح الأطراف وحساباتها، مع التأكيد أن حسم المعركة أو الوصول إلى تسوية شاملة يظل مرتبطًا بتطورات ميدانية وسياسية لا يمكن اعتبار نتائجها محسومة مسبقًا.