الوطن العدنية/كتب/ أحمد حوذان
من سفوح عمران الشامخة ووديان حجة الخضراء مروراً بمرتفعات ذمار الأبية وعطايا ريمة المتكئة على سحب الغيم وسهول الحديدة المكلومة ومروج إب الخضراء وصولاً إلى أودية صنعاء العريقة وعنفوان خولان الطيال وبطولات بني مطر وعزيمة الحيمتين وشموخ بني الحارث وبأس همدان تتكشف لك فصول أضخم ملهاة سوداء ومسرحية سريالية صاغتها يد الدجل والكهنوت
وأنا أتخيل ككاتب لابد أن أجعلَك أيها القارئ أن تتخيل معي تخيل المشهد بعين الساخر المتمفصل على حواف الدموع هامات رجالٍ كالرواسي أصحاب أشناب عريضة ترهب الأسود يتأبطون أفخر الجنابي المرصعة بالفضة والذهب ويلتحفون بالوشاحات التقليدية التي تعبر عن هيبة القبيلة ووقارها يقفون صاغرين تحت لهيب الشمس الحارقة في بطون الصحاري أو في طوابير طويلة ترتجف تحت أقدام العبث المليشياوي والأدهى والأمرّ والأشد إثارة للقهقهة السوداء أنك ترى هؤلاء الشيوخ والوجهاء ينقادون صاغين لتوجيهات ومشاهد استعراضية يقودها أو يوجهها طفل لم ينبت في وجهه الشعر بعد يملك صكوك الولاء وبندقية بينما هم يصفقون ويهتفون يقفون جميعاً يرفعون أسلحتهم النارية في الهواء وحولهم آلاف السيارات والمركبات متراصفة بكثرة في صحاري قاحلة وجبال صماء تتساءل في ذهول عن عقلة الإصبع التي قادت هؤلاء الأساطير إلى هذا المذبح المجاني
إنها ليست مجرد طوابير بشرية إنها عملية مسح شامل للعقول والكرامة وتغيير لديموغرافيا الأرض فتيان بعمر الزهور أُخرجوا من المدارس ورجال طاعنون في العمر سُلِبوا وقارهم حُملوا البنادق والرشاشات الثقيلة وزُفوا تحت شعارات النفير العام والتعبئة المفبركة تُستغل عواطف القبائل ومشاعرها النبيلة وغيرتها المعهودة بحيل سحرية فتُساق كالنعاج إلى محارق الموت تحت عناوين براقة مزيفة مثل الوفاء للتضحيات ومواجهة الأعداء بينما أطفالهم محرومون من أبسط حقوق الحياة والتعليم
وهنا كل جمهوري قد يذهب عقله بعيداً ليتساءل في نفسه خصوصاً بعد المخا والحرب المتواصلة في تعز وكهبوب والعارة والمقاطرة لماذا يتعمد الحوثي القبائل بالذات ويسوقهم إلى محارق الموت لتكون حصتهم الأكبر من التوابيت تعالوا أقول لكم لماذا كقارئ أكثر عمقاً في خبايا هذه السلالة الخبيثة وصحفي ينسج من خيوط الغموض ألف عبارة تضمد جراح المتخبطين والمعتوهين ومن يسوقونهم تحت مسميات النخوة والعزة واحنا لها واحنا رجالها هنا يكمن الخبث السلالي والدهاء الإمامي الدفين الحوثي لا يرى في القبلي سوى وقود رخيص لمشروعه العنصري العابر للجثث فهو يعلم جیداً أنه سلالياً غريب عن نسيج المجتمع اليمني وأن مشروعه الكهنوتي الحاقد على اليمنيين وعلى أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يُحمى إلا بإبادة هذه الهوامش القوية وإلهاء القبائل بنزيف دموي مستمر
لكن الغاية أبعد وأخبث بكثير مما يتخيل السذّج إن الحوثي يخطط لليوم الذي سيُكسر فيه عرشه وينتهي حكمه الاستبدادي وهو يعلم أن سقوطه قادم لا محالة لذلك فهو يسعى جاهدًا لتحويل القبائل إلى أرامل وأيتام وثكالى وزرع أجيال محملة بالثأر والعقد النفسية ليصنع منهم ورقة ضغط شعبية وقوة جماهيرية غاضبة توجه ضد أي حكومة شرعية مقبلة أو نظام جمهوري قادم يريد الحوثي أن يترك خلفه أرضاً محروقة ومجتمعات مهشمة بحيث إذا ذهب هو تظل أسر أولئك القتلى والمغرر بهم ورقة ضغطه الخبيثة لابتزاز الدولة والمجتمع وليجعل من دماء أبناء القبائل درعاً بشرياً يحميه حتى في حال أفلت من العقاب أو ليضمن أن تظل اليمن ممزقة بثار الدم وجراحاته
واللافت في هذه الدراما أن قوات الحكومة الشرعية وبخاصة القوات الجوية تدرك تفاصيل هذه اللعبة وقد تمتلك القدرة على توجيه ضربات حاسمة وموجعة لإنهاء هذا العبث ومصادرة هذه المسرحيات بضربة تحذيرية واحدة لكنها تترك للزمن وللتاريخ أن يختبر وعي القبائل اليمنية عن جدارة ليدوّن التاريخ بمداد من حزن كل قبيلة شاركت وكل شيخ حشد وكل أسرة ساهمت بمد أمد الحرب وسفك دماء أبناء الوطن خدمة لعصابة لا تقيم وزناً لدم اليمني ولا لكرامته
لقد أسقطت هذه الحرب الأقنعة الصدئة التي كانت تتوارى لعقود خلف عباءة الجمهورية وشعارات الأحزاب والوسطية المزيفة لترفع الوجوه قناعها وتكشف عن الوجه الحقيقي سلالة كهنوتية حاقدة تدس في داخلها حقداً أسود على اليمنيين قاطبة واليوم ذاته ترينا العجب العجاب قصصٌ تراجيدية ساخرة تروي كيف تحول أولئك الرجال الذين أدمنوا خطب المنابر الجمهورية إلى أدوات في مسرحية سلالية لا ترحم حتى من يصفق لها
خذ مثلاً تلك الحكاية بينما كان حسين حازب يحيي أمجاد الدستور تجده اليوم يمارس طقوس الطاعة في محراب المليشيا ومثله ناجي بن علي الزايدي وضيف الله رسام ومحمد علي سالم طعيمان الذين تخلوا عن وقار المشايخ ليلبسوا قبعات الانقياد المطلق وتأمل كيف يتقدم حنين قطينة ونزيه أبو نشطان ومنصور مطهر المنتصر ويحيى علي عايض وصالح ناصر الأحمر ومنصور عبد الحق ومعهم عقيل فاضل وعبد الحميد الشاهري والمقداد السنباني ويحيى غيلان ونائف أبو خرفشة وحسن محمد طه ومراد الشايف وفيصل جعمان وأمين عاطف ومحمد عياش قحيم وهلال عبده الصوفي ومحمد صالح الحجوري ويحيى موسى وزيد الحاكم رفقة الهتّافين كـ محمد البخيتي وضيف الله الشامي وعلي القحوم ممن تبوأوا منصات العمل السياسي وتشدقوا بالنظام الديمقراطي ليتسابقوا اليوم في سنّ حرب جائرة على الجار والمحيط والمملكة العربية السعودية بلا رادع من عقل أو حياء وما أعظم تعز التي عرتهم جميعاً وأهانت كبرياءهم الكاذب وكشفت سوءة مواقفهم أمام صفحات التاريخ
قصة الساطور الذي لا يسلم منه حتى المساومون
ولكن لعل الحكاية الأشد إيلاماً ودراماتيكية والتي أوجعتني كثيراً وكمداً على صدري هي قصة الشيخ الشهيد علي بن علي القوزي أمين عام المجلس المحلي بمحافظة الحديدة وشيخ شمل قبائل الواعظات ذاك الذي كان في البداية من الوجهاء الذين أيدوا الحوثيين وسهلوا لهم السيطرة والتغلغل في مناكفات سياسية لكن الكهنوت لا يملك حليفاً بل يملك عبيداً أو قرباناً
حين بدأ القوزي يستشعر الخطر الذي يداهم مدينة الحديدة هذا الجمهوري العتيد السبتمبري الحر رافضاً للخضوع والذل ويرى بأم عينيه كيف تحولت شواطئ الحديدة ومياه البحر إلى بؤرة للمليشيات الإيرانية وعناصر حزب الله وكان ذلك في بدايات تحركاتهم السرية قبل أن تظهر علناً يتنقلون ويدربون وكيف تساق مدينته العظيمة وشواطئها نحو الدمار والخراب نطق بالكلمة المحرمة لا حاول أن يوصل رسالة ترفض تحويل تهامة إلى منصة لمشاريع عابرة للحدود فكان الرد المليشياوي سريعا وقاسيا بحجم حقدهم الدفين إذ لم يترددوا في أن يجعلوه قرباناً بعد أن غدروا بقائد الجمهورية الزعيم علي عبدالله صالح وقتلوه وسط خيانات الشيوخ وصمت الرائعين التفتت المليشيا إلى القوزي لترمي به وبـ 8 من أبناء تهامة الأحرار في أتون تهمة مفبركة بمقتل صالح الصماد وينفذوا فيهم عملية إجرامية بشعة مسرحية ومسجلة أعدموهم فيها علناً في ميدان التحرير بصنعاء في سبتمبر 2021
أعدموه قهراً لأنه قال لا وحينها تفرج الشيوخ أصحاب الأشناب العريضة والجنابي المرصعة في صمت مريب فكسرت هيبة القبيلة ومُدغت أعرافها وأسلافها تحت أقدام المليشيا ليتأكد للجميع أن القبلي في نظر هذا المشروع إما عبد مطيع في طوابير النكف أو جثة في ساحات الإعدام
والأيام كفيلة بكشف طينة من تبقى ورخص مواقفهم فما إن تبدأ المليشيا بالترنح والانهيار حتى ترى أولئك الشيوخ والمتحدثين المتلونين يخفون بواريدهم ويخرجون بثوب الحياد والحكماء ناصحين وداعين إلى الصلح والمبادرات ولكن ما إن تشم المليشيا رائحة القوة أو تناور مجدداً حتى تراهم يهرعون للتحشيد والتوعد بسحق الجيران والأشقاء بلا حياء
ترى أولئك المشايخ والرموز الذين باعوا تاريخ قبائلهم في سوق النخاسة الكهنوتية يقفون في منصات الحوثي يتزلفون للفتيان والصبيان الذين عينتهم المليشيا مشرفين عليهم شيوخٌ نسوا تاريخ آبائهم وأجدادهم الجمهوريين فصاروا مجرد أدوات للبصم والتحشيد يسوقون أبناء قبائلهم إلى حتفهم بينما يحتفظون بأولادهم في المكاتب المكيفة والنعيم الفاره في مشاهد مخزية تجعل الحليم حيراناً والشيخ أسيفاً على ما آلت إليه كبرياء القبيلة اليمنية
إنها مأساة يمنية تنطق بالسخرية المؤلمة والوجع الدفين شيوخ يبيعون كرامتهم تحت شمس الهجير وأطفال تُستلب طفولتهم ليرفعوا صواعق الموت في صحاري الفراغ ومليشيا تضحّي بالقبائل كالنعاج في طريق المذبحة لتبقي على عرشها الوهمي فمتى تفيق تلك الهامات العالية وتدرك أن الجنابي الفاخرة لا تليق إلا بحماية الأرض والعرض لا بأن تكون مخاليب في يد سلالة تأكل دماء أبنائها وتبيعهم في بازار الخرافة والكهنوت