الوطن العدنية /كتب/محمد حيدرة
في واقعٍ يزداد اختناقًا يومًا بعد آخر، يبدو المواطن وكأنه فمٌ مفتوح يبحث عن هواء، فيما تُدار شؤون حياته بسياساتٍ لا تُرى، وقراراتٍ لا تُشرح، ونتائجٍ لا يتحمّلها إلا هو وحده. فالمشهد العام يوحي بأن السياسة لم تعد فعلًا علنيًا يخضع للنقاش والمساءلة، بل تحوّلت إلى عملية مغلقة تُدار من خلف الجدران، بعيدًا عن الناس وهمومهم.
ما يرهق المجتمع اليوم ليس فقط ثقل الأزمات المعيشية، بل الإحساس المتكرر بخيبة الأمل. فكلما اعتقد الناس أن الانفراج بات قريبًا، يعود المشهد ذاته ليتكرر: تغييرات شكلية في الوجوه، وسياسات ثابتة في الجوهر، وشعارات براقة تُرفع للاستهلاك الإعلامي، بينما الواقع لا يتغير، والمعاناة تستمر.
لقد انتقلت السياسة، في نظر المواطن، من كونها خدمة عامة تُدار لصالح المجتمع، إلى ساحة صراع مصالح ضيقة، ومن إدارة دولة بمفهومها الشامل، إلى إدارة أزمات مؤقتة بلا حلول جذرية. وفي خضم هذا التحول، بقيت الضحية واحدة لا تتبدل: المواطن البسيط.
يُطلب من المواطن الصبر باستمرار، ويُحمَّل مسؤولية الصمت، ويُلام أحيانًا على الاحتجاج، لكنه في المقابل لا يُمنح حق الفهم، ولا يُشرك في القرار، ولا تُقدَّم له رواية صادقة عمّا يجري. وكأن المطلوب منه أن يتحمّل النتائج دون أن يعرف الأسباب، وأن يدفع الفاتورة دون أن يطّلع على الحساب.
إن غياب الشفافية، وابتعاد القرار عن الناس، لا يؤديان إلا إلى تكريس حالة من اللامبالاة وفقدان الثقة، ويجعلان الواقع يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة. فالدول لا تُدار بالأسرار، ولا تُبنى بالقرارات المعزولة عن المجتمع، ولا تستقر حين يُقصى المواطن عن المشهد.
وما دام القرار يُصنع بعيدًا عن الناس، وما دامت المصارحة غائبة، سيظل الواقع كما هو، وتبقى السياسة تدور في مكانها، ويظل المواطن يردّد، بمرارة وسخرية في آنٍ واحد:
فك ونا بافك.