الوطن العدنية/مقال لـ”إيمان القويفلي”
لنتفق ابتداءً أن الجمهور العربي لإيران جمهور محدود، لكنه الأكثر إزعاجاً وحرصاً على الظهور، لأن الظهور الملح والوقح غاية بحد ذاتها، لهذا الجمهور.
من الشائع تفسير علاقة هذا الجمهور بإيران على أنها علاقة توظيف واستعمال ذات اتجاه واحد. إيران تستعمل جمهورها العربي.
لكن الجزء غير الصريح من هذه العلاقة هو ما يضمره هذا الجمهور العربي من طموحات، أو لنسمها آمالاً، في استعمال إيران، استعمالها في خوض المعركة مع الصهاينة بديلاً عن العرب. وهذا مربط الفرس.
صرّح بها بعض رموزهم مقالاً، وعبر عنها بعضهم الآخر حالاً: هذا جمهور تقاعد عن الحرب مع الصهاينة منذ وقت بعيد، مرتاح للذهاب الرتيب إلى الدوام كل يوم ومتفرغ للمعارك الشخصية الآمنة. يحبذ تأشيرات العمل في الخارج وكراسي الأستاذية في المعاهد. آخر طموحاته أن يعيش في بلد يقصفه ويدمره الصهاينة بأي ذريعة.
لكنه يريد من إيران أن تخوض معركته كعربي بدلاً عنه، وأن يدفع الإيرانيون ثمنها حصاراً وفقراً وقصفاً وتدميراً من لحمهم الحيّ.
أن تكون مهزوماً نفسياً في عروبتك أمام الصهاينة إلى درجة تأليه الفارسية لغة وثقافة وأمة وسلاحاً، على أساس أنهم سيخوضون معركتك بدلاً عنك، ويحملوك متوجاً لتفتح القدس وتصلي في الأقصى؛ فهذا من أحط ما مرّ على هذه الأمة في سائر تاريخها. وللتعمية على ذلك، ولد خطاب "يا أشرف الناس يا أكرم الناس"، وذلك الغرور الزنخ والاستعلاء على الدم واللحم العربي بكل أشكاله.
تلك الهزيمة الثنائية واحتقار الذات العربية تنبع من تعظيم أسطوري للصهيونية والصهاينة في أنفسهم، رؤيتهم إلى الصهاينة كداود التوراتي القادر على اجتياح كل شيء؛ جالوت والجبال والبحار والمدن والبشر.
هؤلاء عرب خرجوا من التاريخ فتجمد لديهم في لحظة هزيمة معينة يعيشون فيها أبدية بلا غد. بلا صراع. بلا أمل.
فكان الحل الوحيد أمام مخيلة الهزيمة الأبدية أن يضعوا آمالهم في الفُرس.
عملت إيران على تعميق هذه المخيلة الأبدية بتصنيم وتوحيد وبتر القضية الفلسطينية عن كل ما عداها. عبر العقود الماضية ارتفع خطاب "القدس هي البوصلة" لا بغرض حرية القدس، لكن بغرض استباحة كل ما عداها، وفصل القيم التي تخص ما هو فلسطيني عن أي قيم تخص ما هو عربي، وعزل الإنسان الفلسطيني عن الإنسان العربي.
فساقوا القضية كجرافة ومروا بها على أشلاء البشر وحطام العواصم والأنفس المكسورة بالخيبة والخذلان في في الحواضر العربية التي استباحها الفارسي.
يحارب العربي الإيراني شعور الضعة الذي يستبطنه أمام الفرس وأمام الصهاينة وأمام التاريخ بالاستعلاء على العنصر العربي الذي يتحول إلى احتقاره كآخر بعد أن ألحق ذاتهُ بالفرس. لكنه بعد أن يوبخك ويعيّرك ويسبك؛ ينصرف إلى حياة وادعة لا تختلف عن حياتك كثيراً. عمل، دراسة، عائلة، ترفيه. الفرق الوحيد بينك وبينهم ربما في جودة الطرقات التي تمشي عليها ونوع السيارة التي تركبها.
أتمنى صدقاً ألا يتأثر أبناء الخليج بهذا الخطاب السقيم…
فأنتم أهم من يقف في وجه الصهاينة. وحالة الهلع التي تصيب الجميع عند أي تلميح لتطبيع العلاقات، تكفي اعترافاً بأنكم في القلب منها، ولا تقبلوا ولا تصدقوا غير ذلك.
آمنوا بسنن الله في الكون. اللحظة التاريخية غير أبدية. الهزيمة غير أبدية. لقد رأينا في ٣ سنوات تحولات أعقبت عقوداً من الجمود. استجيبوا لمنطق الكرامة دون أن تستجيبوا لمنطق الغرور البشري، هذه ليست لحظة أبدية، التاريخ حدث قبلنا، وسيحدث بعدنا، وقد لا نشهد هزيمة الصهيونية، لكننا نوقن أنها آتية.
لا تُنزلوا القضايا على الشعوب، ولا الأشخاص. لا تهبطوا بعدلكم وحكمكم على الأشياء إلى وضاعة التلاسن والضغائن وصغار الأحقاد. ما بيننا والصهاينة أمر وجودي، عقدي، مجرد عن قال فلان وقال علان.
بلادكم ليست مجرد مجال حيوي لأمريكا كما يحتقرها الفرس ويلحقهم بها بعض العرب. إن كان ثمة أمل عربيّ فهو قادم من بلادنا بالذات.
لا ترهبنا معادلة "إما إيران أو الصهاينة". لا إيران ولا الصهاينة، ونحن من يضع قواعدنا بأنفسنا.
بلادنا عربية. قتلانا على أيدي إيران شهداء رغم أنف الجميع. ونحن جبهة، ضد الصهاينة وضد إيران، وسنواصل الدفاع عن أوطاننا، معاً.