مقالات وآراء

الجمعة - 03 أبريل 2026 - الساعة 06:30 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/نجيب الكبودي


أعلن قبل أيام عن اختيار السفير نبيل فهمي وزير الخارجية المصري الأسبق أمينا عاما جديدا للجامعة العربية خلفا للأمين السابق المصري (أحمد أبو الغيط) والذي تنهي ولايته بعد شهر من تاريخ نشر هذا المقال (يشغل المنصب منذ عام ٢٠١٦م) وذلك استجابة لترشيح رسمي تقدمت به مصر ، والذي تم تمريره واقراره في اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري ، حسب ما ورد في بيان صادر عن "وزارة الخارجية المصرية" !

9 أمناء عامين عرب شغلوا هذا المنصب منذ تأسيس الجامعة العربية قبل 80 عاما 8 منهم مصريين مقابل تونسي واحد (الشاذلي القليبي) والذي شغل المنصب خلال فترة انتقال مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس (1979-1990) بعد مقاطعة الدول العربية لمصر عقب توقيع رئيسها السادات لاتفاقية "كامب ديفيد" مع الكيان عام 1979م !

في الأونة الأخيرة أثار هذا الاحتكار المصري الثنائي الطويل (للمقر ولمنصب الأمين العام) جدلاً واسعاً وانتقادات متكررة تصاعدت في السنوات الأخيرة مع اتساع الدعوات العربية على المستويين الرسمي والشعبي لتفعيل دور الجامعة وتدوير منصب أمينها العام أسوة بما هو سائد ومتبع في جميع المنظمات الأممية والاقليمية المماثلة مثل منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية ومجلس التعاون الخليجي.

انعكاسات وتأثيرات هذا الاحتكار "المصري" الدائم والمستمر لرئاسة الأمانة العامة للجامعة اتضحت جليا في اكثر من مناسبة وقضية ظهرت فيها مواقف الجامعة العربية رمادية وباهتة تجاه قضايا عربية حساسة إما بسبب تعارضها مع التوجهات والمواقف السياسية للرئاسة والحكومة المصرية ، أو لأن تلك الأحداث والقضايا لا تمثل لمصر أولوية قصوى ، وهذا ما كشفته جليا مؤخرا حالة "الغياب والهشاشة" التي بدت عليها الجامعة العربية في تعاطيها مع الاعتداءات الإيرانية على عدد من دول المنطقة وعبر عنها بيان الإدانة المتأخر والباهت الصادر عن الأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط بعد مرور 9 ايام على هذه الاعتداءات والذي يراه محللين سياسين واعلاميين بأنه لم يكن على مستوى الحدث.

وينبع حرص مصر على الاحتفاظ بهذا المنصب باعتباره ركيزة أساسية داعمة لسياستها الخارجية ولتوظيفه بما يخدم الرؤى والتوجهات المصرية تجاه الأزمات الاقليمية والملفات الحساسة ذات الصلة بالشان المصري ، وهو ما يمكن ان نستدل عليه بسهولة من كون الأمناء العامين المصريين الثمانية جميعهم دبلوماسيين وليس بينهم خبير واحد في الاقتصاد أو الادارة او التنمية المحلية على سبيل المثال.

في المقابل يطرح البعض أن مشكلة الجامعة العربية ليست جنسية أمينها العام بل تعود الى التباينات والخلافات السياسية بين الدول الأعضاء ، وإلى ان غالبية الدول أو الحكومات أو الأنظمة العربية ليست متحمسة أو راغبة أو مقتنعة بالعمل العربى المشترك ، وأنا أرد على هذا الطرح بأنه كلمة حق يراد بها باطل وبأنه لا ينبع من حرص قائله على نجاح الجامعة في أداء دورها العربي وتحقيق اهدافها بقدر حرصه على الابقاء على هذا المنصب في يد دولة واحدة بعينها .

صحيح ان الاخفاقات المستمرة للجامعة أسبابها متعددة ولا تعود في المقام الأول إلى شخص الأمين العام للجامعة ولا الى جنسيته بل إلى سقف الدور المسموح به للجامعة نفسها ولأمينها العام ، إلا أن إصرار مصر على التمسك برئاسة أمانة الجامعة ورفضها القاطع لتدوير المنصب ، رغم تراجع فعالية دورها العربي والإقليمي والدولي مؤخرا ، هو أيضا احد أهم الأسباب في اخفاق الجامعة العربية.

كما ان ضرورة تدوير منصب امين عام الجامعة العربية في ظل الظروف الراهنة أصبح يمثل أولوية قصوى وضرورة ملحة لإصلاح حال الجامعة وإخراجها من شللها الذي بات بُنيويًّا وهيكليا ومؤسسيا لتمكين
الجامعة العربية من الاضطلاع بدورها الرئيسي والمركزي والمتمثل في حماية الأمن القومي العربي وحماية أمن الدول الأعضاء وصيانة سيادتها.

لا مشكلة في اختيار شخص نبيل فهمي أمينا عاما للجامعة رغم تصريحاته المثيرة للجدل والإرتياب خلال فترة عمله وزيرا للخارجية المصرية ، ولا مشكلة في أن تضل مصر دولة المقر، الإشكالية تتمثل في إصرار مصر على احتكار و"تأميم" منصب الأمين العام طوال ثمانين عاما من عمر الجامعة والذي كان سببا رئيسا في تعطيل دورها كمنظمة إقليمية ودولية لها ثقلها وتأثيرها الإيجابي ولو حتى على الصعد الاقتصادية والثقافية والتنموية ، وإصرارها على أن تجعل منها "نادي دبلوماسي مصري" تعهد برئاسته الى المتقاعدين العاملين في السلك الدبلوماسي المصري وجهازا بيروقراطيا حكوميا مصريا تابعا لوزارة الخارجية المصرية ، وتجعل من أمينها العام مجرد مسؤول حكومي مصري يتلقى توجيهاته من سلطات بلده وعلى ضوء ذلك يقوم بعد ذلك بإصدار بيان رسمي مختوم "بختم النسر" !