الوطن العدنية/غرفة الأخبار
في شهادة تاريخية مثيرة كشف عنها الصحفي ماجد الداعري، برزت تفاصيل مكالمة هاتفية "نبوئية" أجراها الرئيس الراحل علي عبدالله صالح مع مجموعة من معارضيه في الوسط الصحفي إبان أحداث 2011، تضمنت تحذيرات بدأت تتحقق ملامحها في المشهد اليمني الراهن.
بدأت الواقعة التي سردها الداعري في منشور على صفحته بالفيسبوك رصده محرر صحيفة الوطن، باتصال شخصي من صالح لأحد الصحفيين في صنعاء، تزامناً مع ذروة الاعتصامات في ساحة التغيير. وما إن علم الصحفيون الموجودون في مكتب الصحفي بهوية المتصل حتى تعالت أصواتهم بهتافات: "ارحل ارحل.. الكرسي من تحتك ذحل".
بثبات وهدوء غير متوقع، طلب صالح فتح مكبر الصوت ليوجه خطاباً مباشراً للمجموعة، قائلاً: "أحب أخبركم أنني سأرحل من السلطة قريباً، ليس خوفاً من المظاهرات، وإنما لأن التغيير سنة الحياة.. ولكن، تذكروا أن الكلمة أمانة، وقد يأتي من بعدي من يجعلكم تترحمون على عهدي وعلى الأمن والحرية الصحفية التي تعيشونها اليوم".
المكالمة تحولت إلى "مناظرة مفتوحة" حين قاطعه الصحفي الراحل عبد الكريم الخيواني مذكراً إياه بالسجون والمحاكمات، ليرد صالح بلهجة الواثق: "أنا استدعيتك وحاكمتك بالقانون وفي محكمة صحافة، وليس محاكم أمن دولة، ولم أقم باختطافك أو إخفائك أو تصفيتك كما يفعل غيري في دول أخرى".
وفي لحظة استشرافية للمستقبل، وجّه صالح حديثه للصحفي عابد المهذري (رئيس تحرير صحيفة الديار) واصفاً إياه بـ"صاحب صعدة"، ومحذراً إياه من دعم الحوثيين آنذاك: "أنت مدعوم من صاحبكم الحوثي.. لكن سيأتي يوم تعرفون فيه حقيقته، وأننا كنا على حق حين حاربناه كدولة لأنه يحمل أفكاراً خطيرة خارجة عن النظام والقانون".
ولم تخلُ المكالمة من المفاجآت الشخصية، فحين حاول الصحفي ماجد الداعري تهدئة الأجواء، باغته صالح بمعرفة دقيقة بهويته قائلاً: "أهلاً بالجنوبي الانفصالي صاحب ردفان"، مشدداً على أن "الوحدة صنعها رجال الجنوب الأبطال وهم من سيدافع عنها"، رداً على نشاط الداعري الكتابي المرتبط بالحراك الجنوبي حينها.
انتهت المكالمة الممتدة لعدة دقائق بإغلاق الرئيس للخط، مخلفاً وراءه جملة من التحذيرات التي يراها الكثيرون اليوم، بعد سنوات من الحرب والتحولات، بمثابة "نبوءة" لواقع معقد نعيشه اليوم، حيث ترحم الكثيرون بالفعل على سقف الحرية الذي كان متاحاً رغم كل الخلافات.
وجسدت هذه المكالمة فلسفة صالح في إدارة الأزمات بالاتصال المباشر، وكشفت عن رؤيته لمستقبل البلاد ما بعد رحيله، في لحظة تاريخية فارقة بين عهد كان يلفظ أنفاسه وعهد جديد بدأ يتشكل خلف جدران المقائل اليمنية.
نص منشور الداعري:
اتصال من الرئيس!
اتصل الرئيس علي عبدالله صالح على أحد الصحفيين بصنعاء وأنا مخزن جواره بمكتبه تزامنا مع ثورة التغرير بشارع الجامعة 2010-2011 ،وكان يومها يعاتبه تارة ويمازحه تارة أخرى، على بعض الأخبار ومقالات الرأي بصحيفته..
وكان الزميل يطلب منا خفض الصوت حتّى يسمع الرئيس تماما..
وما أن تأكدت أنا بأن الصوت صوت الرئيس بالفعل حتّى أخبرت بقية الموجودين من الزملاء أن المتصل هو الرئيس..
وحينها صرخوا بصوت واحد: ارحل ارحل.. الكرسي من تحتك ذخل وغيرها من الشعارات التي كان يرددها المغرر بهم في ساحة التغيير بصنعاء يومها.
وحينما سمع صالح الصوت عرف أن مجلس الزميل الصحفي كلهم صحفيين معارضين له، فطلب منه أن يفتح مايكروفون صوت الهاتف ليتحدث بكلمتين للجميع
ففعل الزميل وقال الرئيس بصوت واثق هادئ متزن:
السلام عليكم معشر الصحفيين الحصيفيين المحترمين جميعا
وأتمنى أن تكونوا بخير.. أحب أخبركم أنني سأرحل من السلطة قريبا، ليس خوفا من المواجهة أو الشعارات و الهتافات والمظاهرات واعتصام ساحة الجامعة، وانما لأن التغيير سنة الحياة، ولا بد من النزول من الشجرة من أجل الشعب وحقنا للدماء..
وأضاف: لكن أحب اذكركم أن الكلمة أمانة والصحافة مسؤولية قبل ما تكون تحريض وعداوة لصالح أو غيره من المسؤولين، وإن الوطن وسلامته يبقى فوق الجميع، وأنني احترمكم جميعاً حتى وإن كنتم معارضين وتكتبون عني مالا يجرؤ أي صحفي أو كاتب عربي أن يكتبه على رئيسه في أي بلد عربي آخر، لأن هذه ضريبة الحرية والديمقراطية التي اخترناها لتكون نواة تغيير في المنطقة.
وبالأخير تطمنوا أن صالح أو عفاش أو ماشئنم سيرحل من السلطة، وقد يأتي من بعدي يجعلكم تترحمون على عهدي والأمن والاستقرار والحرية الصحفية التي تعيشون فبها...
وحينها قاطعه الصحفي عبد الكريم الخيواني.. الله يرحمه
وقال له: عفوا على المقاطعة فأنت حاكمتنا وسجنت واعتقلت صحفيين وفتحت لنا محاكم ونيابات وترهيب ولم تترك عقوبة بحقنا..الخ
فرد عليه الرئيس بكل ود وقال له: احمد ربك ياخ.. أنا استدعيتك بالقانون واحاكمك بالقانون وفي محكمة صحافة، وليس محاكم أمن دولة، ولم اقم باختطافك واخفائك أو تصفيتك كما يفعل غيري في دول أخرى..
وهنا تدخل الصحفي عابد المهذري وقال له: مابالله قد اختطفننا وارعبتنا وقيدت عملنا ومنعت صحفنا من الطباعة وايش عاد بقيت من حرية.؟
وحينها قال الرئيس من هذا يا ن...!؟
فقال له: هذا المهذري صاحب صحيفة الديار
وحينها قال له الرئيس مباشرة: أهلا يا صاحب صعدة.. ماعليك أنت مدعوم هذه الأيام من صاحبكم الحوثي.. لكن بيجي لكم يوم تعرفوا حقيقته، وأننا كنا على حق حينما حاربناه كدولة في ستة حروب كمترد يقام الدولة ويهاجم المعسكرات ويقتل الجنود ويحمل افكار خطيرة خارجة عن الدولة والنظام والقانون.. الخ
واشتبكت الأجواء بالكلام والأخذ والرد، وكان الرئيس معنا أو أحد منا زلا عمل لديه غير متابعة الصحفيين وما يكتبون ويقولون رغم حساسية المرحلة وخطورة الأوضاع في البلد حينها
فتدخلت شخصيا وحاولت فك الاشتباك بينهم باعتباري صحفي جنوبي مغترب يومها بالعاصمة اليمنية صنعاء، وقلت للجميع بنوع من محاولة تلطيف الأجواء المكهربة: خلاص ياجماعة احترموا الرجل فهو مازال رئيسكم ؟! وعلى اعتقاد مني بأن الصوت لن يصل إلى إذن الرئيس الذي كان مازال يتحدث وتوقف فجأة تزامنا مع حديثي الخافت ونتيجة لقربي من الهاتف..
وحينها ضحك الجميع واستغرب الرئيس من طريقة خطابي المحايد كأجنبي
وقال وهو يصخك : ومن هذا يان...؟
فقال له: هذا الصحفي الداعري!؟
وكنت اعتقد أنه لا يعرف عني شيئا باعتباري أصغر الموجودين عمرا وحداثة في الصحافة، وإن كنت من انشطهم كتابة في أكثر من صحيفة لتلك الفترة وما قبلها من سنوات الحراك الجنوبي، وصولا إلى محكمة الصحافة والمطبوعات بأكثر من دعوة وقضية مرفوعة منها دعوة من الرئيس نفسه.
ولكنه فاجأنا بقوله: أهلا بالجنوبي الانفصالي صاحب ردفان.. في إعتفاد منه بوجود صلة قرابة تجمعني بالقيادي البارز يومها في الحراك وجمعية المتقاعدين العسكريين الجنوبيين قاسم الداعري، حيث قال: الانفصال بعيد عليكم أنت وابن عمكم قاسم الداعري هو والزوبعااات حقه والمظاهرات والفوضى بردفان المدفوعة من العطاس والبيض والهاربين المتصكعين بالخارج، لأن الوحدة صنعها رجال الجنوب الابطال وهم من سيدافع عنها بعدما عانوا من المذابح التي كانت تجري بين فترة وأخرى بالجنوب..الخ.
وشخصيا التزمت الصمت احتراما للقول الحكيم يا غريب خليك أديب.
واكتفيت بالقول له: من عاش ذكر يابو أحمد.
ليرد بصوت ممتعض: ان شاء .. والسلام عليكم.