اخبار وتقارير

الإثنين - 06 يوليو 2026 - الساعة 09:10 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية / خاص


لا تكاد تمر صيفا أو شتاء.إلا وتعود أزمة الكهرباء إلى واجهة المشهد في العاصمة المؤقتة، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة. وبين ساعات الانقطاع الطويلة، والاعتماد المتزايد على الطاقة المشتراة، والإنفاق الحكومي الكبير، تتجدد التساؤلات حول أسباب استمرار الأزمة رغم مرور سنوات على الوعود الحكومية بإصلاح القطاع.

ويرى مختصون أن الأزمة لم تعد فنية أو مالية فحسب، بل أصبحت أزمة إدارة وحوكمة، تتداخل فيها الصلاحيات، وتتراجع فيها المساءلة، بينما يغيب القرار السياسي القادر على إحداث تحول حقيقي في هذا القطاع الحيوي.

تداخل الصلاحيات... مسؤولية موزعة وقرار غائب

يشير مراقبون إلى أن أحد أبرز معوقات إصلاح قطاع الكهرباء يتمثل في تعدد الجهات التي تشترك في إدارة الملف، حيث تتوزع المسؤوليات بين وزارة الكهرباء والطاقة، والمؤسسة العامة للكهرباء، والسلطات المحلية، واللجان الحكومية المختصة بملفات الوقود والطاقة المشتراة، إضافة إلى جهات رقابية وتنفيذية أخرى.

ويؤكد خبراء في الإدارة العامة أن هذا التشظي في مراكز القرار يؤدي إلى تضارب في الاختصاصات، ويجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا، إذ تعمل كل جهة ضمن صلاحياتها أو وفق أولوياتها، دون وجود مرجعية تنفيذية موحدة تمتلك القدرة على التخطيط والإشراف والمتابعة.

وبحسب مختصين، فإن غياب وحدة القرار ينعكس بصورة مباشرة على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، حيث تصبح الخطط طويلة المدى رهينة الخلافات الإدارية أو التغيرات السياسية، فيما تستمر الحلول المؤقتة باعتبارها الخيار الأسهل والأسرع، رغم كلفتها المرتفعة.

الطاقة المشتراة... من حل مؤقت إلى سياسة دائمة

عندما لجأت الحكومة إلى شراء الطاقة من شركات خاصة، كان الهدف المعلن يتمثل في سد العجز المؤقت في قدرات التوليد حتى يتم إنشاء محطات حكومية جديدة.

غير أن هذا الخيار، بحسب اقتصاديين، تحول تدريجيًا إلى ركيزة أساسية يعتمد عليها القطاع، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الإنفاق التشغيلي بصورة مستمرة، خصوصًا في ظل اعتماد هذه العقود على الوقود المستورد، وما يرافقه من تقلبات في الأسعار وأسعار صرف العملات الأجنبية.

وتسببت هذه الصفقات بإهمال المحطات الحكومية، بل يرى بعض المراقبين أنها أسهمت في تعطيل مشاريع تطويرها، وهو طرح يستدعي التحقق عبر البيانات الرسمية والوثائق ذات الصلة.

ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار الاعتماد على الطاقة المشتراة دون تطوير البنية التحتية للتوليد الحكومي يجعل الدولة تدفع سنويًا مبالغ كبيرة لتغطية خدمة لا تحقق الاستقرار المطلوب في ساعات التشغيل، الأمر الذي يثير تساؤلات متكررة حول كفاءة الإنفاق وجدوى استمرار هذه السياسة.

غياب المحاسبة... بيئة خصبة للهدر

لا ينفصل ملف الكهرباء عن قضية الحوكمة والشفافية، إذ يرى مراقبون أن ضعف الرقابة المؤسسية أسهم في استمرار مظاهر الهدر المالي والإداري داخل القطاع.

ويشير مختصون إلى أن ملفات شراء الوقود، وإبرام عقود الطاقة، وصيانة المحطات والشبكات، تحتاج إلى أعلى درجات الإفصاح والرقابة، نظرًا لحجم الأموال التي تُنفق فيها، غير أن محدودية المعلومات المتاحة للرأي العام، إلى جانب بطء إجراءات المساءلة، يفتحان الباب أمام تصاعد الشكوك بشأن كفاءة إدارة الموارد.

كما يؤكد خبراء في الشفافية أن غياب التقييم الدوري للمشروعات والعقود، وعدم إعلان نتائج المراجعات المالية بصورة منتظمة، يقلل من ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويجعل أي زيادة في الإنفاق محل تساؤل، خاصة عندما لا يلمس المواطن تحسنًا متناسبًا في مستوى الخدمة.

أزمة التخطيط الاستراتيجي

يرى متخصصون في قطاع الطاقة أن المشكلة لا تكمن فقط في إدارة الأزمة اليومية، وإنما في غياب رؤية وطنية طويلة الأجل لإعادة بناء المنظومة الكهربائية.

فالعديد من الخطط، بحسب متابعين، تركز على معالجة العجز الآني عبر استئجار محطات أو شراء طاقة إضافية، بينما تتأخر مشاريع التوليد المستدام، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد الفني والتجاري.

ويؤكد مختصون أن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يبدأ بإعداد استراتيجية وطنية تمتد لسنوات، تحدد الاحتياجات المستقبلية، ومصادر التمويل، ومزيج الطاقة الأمثل، وآليات التنفيذ، بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي تستهلك الموارد دون معالجة جذور الأزمة.

ويرى مختصون أن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة قد يسهم في تخفيف الضغط على الشبكة، خاصة في بعض الاستخدامات، إذا تم ضمن خطة متكاملة تراعي الجوانب الفنية والاقتصادية.
ويؤكد خبراء أن نجاح هذه المشاريع يعتمد على وجود إطار تنظيمي واضح، وحوافز استثمارية، وبنية تحتية مناسبة.

الإرادة السياسية... الحلقة الأكثر تأثيرا

رغم أهمية الجوانب الفنية والإدارية، يرى كثير من الخبراء أن العامل الحاسم يبقى توفر الإرادة السياسية.

ويرى عدد من الخبراء أن نجاح أي إصلاح فني أو إداري يبقى مرتبطًا بوجود إرادة سياسية تدعم تنفيذ الإصلاحات، وتوفر الاستقرار المؤسسي، وتضمن تطبيق مبادئ الشفافية والمساءلة.

فإصلاح قطاع الكهرباء، بحسب مختصين، يتطلب اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير، لكنها تحقق استدامة الخدمة على المدى الطويل، مثل إنشاء محطات توليد جديدة تعتمد على وقود أقل تكلفة، أو التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والغاز الطبيعي حيثما أمكن، وإعادة هيكلة المؤسسات العاملة في القطاع.

فإعادة هيكلة القطاع، وتوحيد القرار، وإطلاق مشاريع استراتيجية، كلها خطوات تحتاج إلى دعم سياسي مستمر، وإلى تنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة.

إلا أن هذه الإجراءات تحتاج إلى استقرار في القرار السياسي، وتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، إضافة إلى توفير بيئة استثمارية وتشريعية جاذبة، وهي متطلبات يرى مراقبون أنها تواجه تحديات في ظل الظروف السياسية والإدارية الراهنة.

المواطن... الطرف الأكثر تضررا

وسط هذه التعقيدات، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في الأزمة.
فالانقطاعات المتكررة للكهرباء تؤثر على الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية، كما تزيد من الأعباء المعيشية نتيجة الاعتماد على البدائل المكلفة، سواء عبر المولدات الخاصة أو أنظمة الطاقة الشمسية، التي لا يستطيع كثير من المواطنين تحمل تكلفتها.

كما تتأثر الأنشطة التجارية والصناعية بشكل مباشر، وهو ما ينعكس على فرص العمل والاستثمار، ويضاعف من التحديات الاقتصادية التي تواجه المجتمع.

هل تكون الهيئة المستقلة هي الحل؟

في ظل استمرار الأزمة، يطرح بعض المختصين فكرة إنشاء هيئة عليا مستقلة لإدارة قطاع الكهرباء، تتمتع بصلاحيات تنفيذية واضحة، وتتولى توحيد القرار والإشراف على التخطيط والمشروعات والعقود، مع إخضاعها لرقابة مؤسسية وتشريعية فعالة.

ويقترح بعض المختصين أن تتولى هذه الهيئة التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وأن تعمل ضمن إطار قانوني يحدد صلاحياتها بوضوح ويخضعها للرقابة المؤسسية.

ويرى مؤيدو هذا الطرح أن توحيد الصلاحيات قد يسهم في تقليل تضارب الاختصاصات، وتسريع تنفيذ المشاريع، ورفع كفاءة إدارة الموارد، كما قد يعزز كفاءة الإدارة.

في المقابل، يعتقد آخرون أن إنشاء هيئة جديدة قد لا يكون كافيًا إذا لم يترافق مع إصلاحات مؤسسية أوسع تشمل تعزيز الشفافية، وتفعيل أجهزة الرقابة، وتطبيق معايير صارمة للمساءلة، وإعادة هيكلة المؤسسات القائمة بما يضمن وضوح المسؤوليات وعدم تكرار التداخل الإداري، وعدم الاكتفاء بتغيير الهيكل الإداري دون معالجة الأسباب المؤسسية الأعمق.

بين الإصلاح المؤسسي والإرادة السياسية

تجمع آراء العديد من الخبراء على أن إصلاح قطاع الكهرباء لا يمكن أن يتحقق عبر إجراء منفرد، بل يحتاج إلى حزمة متكاملة من الإصلاحات تشمل توحيد مركز القرار، وتعزيز الحوكمة، ورفع مستوى الشفافية، وإعادة النظر في سياسات الطاقة المشتراة، والتوسع في مشاريع التوليد المستدام، مع توفير إرادة سياسية قادرة على تحويل هذه الخطط إلى واقع عملي.

توصيات يطرحها خبراء

يرى خبراء ومختصون أن معالجة أزمة الكهرباء تتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات المؤسسية والفنية، تبدأ بتوحيد المرجعية الإدارية لقطاع الكهرباء وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بصورة واضحة، بما يضمن إنهاء حالة تداخل الاختصاصات وتضارب القرارات. كما يؤكدون أهمية تعزيز الشفافية في العقود والمناقصات، ونشر البيانات المتعلقة بها وفق الأطر القانونية، بما يسهم في ترسيخ مبادئ الحوكمة وتعزيز ثقة الرأي العام. ويشدد الخبراء كذلك على ضرورة إخضاع المشاريع الكبرى للمراجعة الفنية والمالية بصورة دورية، إلى جانب إعداد استراتيجية وطنية طويلة المدى لتطوير منظومة التوليد والنقل والتوزيع، تستند إلى احتياجات القطاع المستقبلية وتحدد أولويات الاستثمار بوضوح. ويرى المختصون أن تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك دراسة التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة حيثما كان ذلك مجديًا، يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز استدامة الخدمة وتقليل الاعتماد على الحلول المؤقتة. كما يدعون إلى تطوير شبكات الكهرباء والحد من الفاقد الفني والتجاري، ودعم استقلالية الأجهزة الرقابية وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة، إلى جانب رفع كفاءة التحصيل وتحسين إدارة الموارد المالية، باعتبارها خطوات أساسية لضمان استدامة القطاع وتحقيق إصلاح حقيقي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.


وتبدو أزمة الكهرباء اليوم أكثر من مجرد تحدٍ خدمي؛ فهي اختبار لقدرة المؤسسات على التخطيط والتنسيق والمساءلة. وبين من يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في تداخل الصلاحيات، ومن يركز على ضعف الرقابة أو محدودية الاستثمار، يبقى الاتفاق قائمًا على أن الإصلاح يحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة.

ويبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار: هل يبدأ الإصلاح من إنشاء كيان موحد يقود القطاع، أم من إعادة بناء المؤسسات القائمة وتعزيز الحوكمة داخلها؟ قد تكون الإجابة في الجمع بين الأمرين، ضمن خطة واضحة تستند إلى البيانات، وتخضع للمراجعة، وتهدف في نهاية المطاف إلى توفير خدمة كهرباء مستقرة ومستدامة للمواطن.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكفي إنشاء هيئة عليا مستقلة لإدارة القطاع، أم أن النجاح يبدأ أولًا بإصلاح المؤسسات القائمة وتفعيل الرقابة والمحاسبة؟ ربما تكمن الإجابة في الجمع بين المسارين؛ فالمؤسسات القوية تحتاج إلى قيادة موحدة، كما أن القيادة الموحدة لا يمكن أن تنجح دون مؤسسات تتمتع بالكفاءة والشفافية والمساءلة.