مقالات وآراء

الأحد - 14 أبريل 2024 - الساعة 06:24 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب/عبدالرحمن بشير


شاركت قبل يومين مع بعض الدعاة ، وأصحاب الرأي من القرن الأفريقي ، وخاصة الجيل الصاعد منهم ندوة فكرية وسياسية حول عنوان المقال فى المنتدى الفكري ( Ogaal ) وترجمته بالعرب ( الوعي ) ، وتحدثت فى البداية عن مقدمات ضرورية للفهم ، وقراءة الحدث بشكل أعمق ، ذلك لأن الولوج إلى عمق القضية بدون مقدمة تمهيدية قد تفقد الموضوع مبناه ومعناه، ومن هنا ناقشت قضايا أساسية من أهمها موضوع ( البعديات ) فى الفكر البشري ، وكيف يمكن قراءة هذا الموضوع من زاوية إسلامية ، لأن المصطلح من صنيعة الفكر الغربي لظروف فكرية وسياسية ، وبعد أن ناقشت ذلك ، تحدثت عن التغييرات التى صاحبت البشرية فى العقود الثلاثة الماضية ، وفعلت ذلك ، لأننى أعرف أن ما يجرى في غزة ليس منفصلا عن التغيرات الجيوسياسية العالمية والاقليمية ، وكذلك المتغيرات الفكرية التى تجرى فى العالم المعاصر .

تحدثت عن سقوط الاتحاد السوفيتي كمعلم تاريخي فى كتابة ما بعد الحرب الباردة ، وما نتج من رهق سياسي ، وفراغ استراتيجي فى مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، وكيف أمكن للقوى الصاعدة الاستفادة من الفراغ ؟ ثم ناقشت قضية أخرى ذات أهمية ، وهي ظهور مرحلة ( الاستفراد ) فى قيادة العالم من قبل أمريكا ، وهذه كانت سابقة فى صناعة القرار الدولي ، ولكن حمل هذا الاستفراد الذى بشّر به قادة أمريكا مثل نيكسون فى كتابه ( انتهزوا الفرصة ) بعضا من الرهق الفكري ، والاقتصادي ، والعسكري ، فغاصت أمريكا فى أوحال أفغانستان ، والشرق الأوسط ، بينما استفادت القوى الصاعدة كالصين وروسيا والهند ترتيب أوراقها بعيدا من الصراعات الدولية ، وتلك الأوحال ، لأن كل ذلك جاء فى مراحل متوازية مع تلك المحطة الخاصة والخطيرة ( الاستفراد ) فى قيادة السفينة العالمية .

لم تكن هذه المحطة عادية ، وإن كانت حملت بعض الهبوب الثقافية للولايات المتحدة ، فتحركت نحو الشرق والغرب لتبشر حضارة جديدة ، وفكرا جديدا تحت راية ( العولمة ) ، وكان الاقتصاد هو القائد لهذه المرحلة ، فكانت الشركات العابرة للحدود ، والتخلص من فكرة الجمارك ، وصناعة الأسواق العالمية ، وتم التخلّص من فكرة ( سيادة الدول ) ، وتبنت الدول فكرة ( حقوق الإنسان ) العالمية كمدخل فى بداية مرحلة جديدة ، وتم تجاوز ما يسمى بالهويات الوطنية ، ولكن كل ذلك لم يكن سائغا عند الشعوب ، ولا عند بعض الدول التى تحترم ذاتها ، ومع ذلك فقد نتج من هذه المرحلة ( ما بعد الاستفراد الأمريكي ) ، ومن هنا جاءت فكرة الانسحاب من أفغانستان، والتخفف من وجود أمريكا فى الشرق الأوسط ، ومنح الأهمية القصوى للصين كعدوّ استراتيجي يحمل رقم (١ ) فى العالم ، لأن الصين تجاوزت القنطرة ، فهي فى طريقها إلى الريادة والمنافسة بلا شك ، كما أن روسيا استفادت من وجود أمريكا فى الشرق الأوسط الكبير ، فخططت فى عودة الدب الروسي إلى التاريخ من جديد .

عملت الصين فى ترك المصادمة مع أمريكا بشكل استراتيجي ، فعملت فى البناء الاقتصادي تحت رعاية الغرب حينا ، ثم تحررت من الرعاية ، واختارت طريقا صعبا يجمع بين ثلاثة خيارات ، خيار فكري يقوم على التاريخ ، وخيار سياسي يقوم على النظام الإشتراكي ، وخيار اقتصادي يقوم على النظام الرأسمالي ، ومن هنا جاءت الصين فى التاريخ على قدر ، أما روسيا فتحركت نحو التاريخ ، وعملت فى تقوية الذات الحضارية ، كما خططت فى بناء قوة عسكرية ، وعملت كذلك فى إيجاد منافذ بحري لتخرج من لعنة الجغرافيا ، وكل ذلك تعمل كالصين فى مرحلة الانشغال الأمريكي .

هذه مقدمة مهمة لفهم ما يجرى فى عزة ، ومن قبل غزة وقعت ( أزمة كورونا ) ، وجاءت على إثرها ( أزمة أكرونيا ) ، وكل ذلك أدى إلى وضع مسامير خطيرة فى سفينة الحضارة الغربية ، ثم جاءت بعد ذلك أزمة ( غزة ) وتداعياتها الخطيرة محليا وإقليميا ودوليا ، ونحن نعرف أن ( غزة ) تعيش فى أزمة وجود فى عقدين من الزمن ، وفى سجن مفتوح للفضاء ، كما تعيش فى عزلة إقليمية ودولية ، بل وتعيش مع ذلك فى مساحة جغرافية صغيرة جدا ، مع كثافة سكانية هائلة ، فإنها تشكو من جغرافيا سياسية غير مساعد ( Micro Geography ) ، وهذا يحمل فى ذاته معضلة ( التهديد الجغرافي ) geography thereat ، ومن هنا فإن غزة ما قبل السابع من أكتوبر عاشت فى هذه المحطة ، بل كانت معزولة ، كما أن القضية الفلسطينية اقتربت هي الأخرى فى مرحلة سياسية خطيرة يمكن تسميتها ( التجاوز ) ، واشتغل كثير من خبراء الثورات المضادة فى هذا المجال ، ولهذا كانت صفقة القرن البديل عن القضية ، كما أن الدعوة الإبراهيمية برموزها القدامى والجدد كانت هي البديل عن فكرة ( المقاومة ) ، ومن هنا كان التخطيط قويا ، وما زال ، لتحقيق تجاوز مرحلة المقاومة فكرة وسلوكا إلى صناعة مرحلة جديدة ( التطبيع ) مع الواقع الجديد ، مع عالم يخلو من مطالبة الحقوق .

بدأ العالم مع فجر جديد فى اليوم السابع من شهر اكتوبر من حيث الدلالات فى التوقيت ، ومن حيث الطرح العميق فى إعادة المسألة الفلسطينية من جديد فى الخريطة ، كما أنه وقع تغير هائل فى قراءة الحدث من حيث الأهداف والمآلات ، وهذه نقلت المعركة من المحلية إلى الدولية ، وتجاوزت المسألة من قبضة الاقليم إلى الانفتاح الدولي ، كما أن الحدث كشف عن هشاشة المعلومات عند الإنسان الغربي ، وعدم وجود وفرة معلوماتية حتى عند النخب ، وهذه بحد ذاتها كشفت ضعف المصادر التى يستقيها الإنسان فى العالم منها المعلومات ، وتم التشكيك فى صناعة المعلومة وتسويقها ، كما تم طرح قراءات موازية ، وتحليلات أخرى قد تكون أعمق منها بكثير ، ومن هنا ، فإن أزمة ( غزة ) حملت فى طياتها منحا كما حملت أيضا محنا ، وصدق علماء السنة حين قرروا بأن الله لا يخلق شرّا محضا .

لا يمكن فهم ما يجرى فى غزة بعيدا عن القراءة السننية ، وكذلك قراءة الأحداث بشمولية وواقعية ، وهذا يجعلنا نستفيد من افكار مالك بن نبي فى قراءة الحضارة ، وابن خلدون فى قراءة التاريخ ، وعبد الوهاب المسيري فى قراءة فكرة ( الاستعمار ) وأنواعه ، ويجب أيضا أن نقرأ المرحلة التى تمرّ بها الدولة فى إسرائيل ، وفى المقاومة ، وهذه أيضا تتطلب منا إلى قراءات استكشافية ، وليس فقط إلى قراءات مكررة ، أو ناقلة من الجهات المتناحرة ، فيتحدث الصحفي الأمريكي المشهور توماس فريدمان عن مهدد وجودي لإسرائيل ، بل وتتناول الصحافة فى إسرائيل بأن الشعور الوجودي يتنامى بقوة ، ويجب على القارئ الحصيف قراءة الأحداث من خلال الأفكار ، فقد ظهرت فى الدولة علامات الشيخوخة من الترف والرفاه ، والاختلاف الكبير بين اليمين الديني واليسار العلماني ، وبين التيار الديني الوسط والتيار العلماني الوسط ، كما تم ملاحظة الخوف من المستقبل ، وفقدان الراحة عند الإنسان الاسرائيلي مما خلق الهروب المنظم من الجيش ، بل ومن الهروب من الوطن ، كما أن الثقة فى الجيش ورجال الأمن ضعفت عند المواطن ، وبهذا فقدت الدولة بأنها أرض الحلم ،بينما الإنسان الفلسطيني ، وخاصة فى غزة يشعر بأنه فى مرحلة الشباب كما يقول مالك بن نبي رحمه الله ( مرحلة الروح ) فكلمة ( حسبنا الله ) على كل لسان ، وكلمة ( الحمد لله ) تصاحب الإنسان الذى يعيش فى مرحلة حساسة ، وهذا مما جعل المفكر منير شفيق يقرر بأن القضية الفلسطينية ما زالت شابة ، بينما القضية الصهيونية تسجل فى الشيخوخة فى هذه اللحظة .

من سيحكم غزة ؟
……………………
هذا ما طرحه نيتنياهو فى بداية معركة غزة ، ولكن الآن ، وبعد بداية الشهر السابع ، ونهاية الشهر السادس اختفت هذه الرؤية ، وطرح العالم سؤالا مفاده ، كيف يكون العالم ؟ هل العالم الذى تحدث به الغرب سابقا سيكون موجودا بعد هذه المعركة التى خلت من كل القيم والحقوق ؟ وهل العالم اليوم مستعد لقبول الإملاءات ؟ وهل ما زالت بعض المؤسسات يمكن لها تقديم الدروس الأخلاقية فى مجال القيم وحقوق الإنسان ؟ وهل الغرب بسكوته ، بل بمشاركته يمكن أن يكون أستاذا فى الأخلاق ؟ وفى القيم ، وفى إسناد حقوق الإنسان؟

لن يكون العالم كما كان قبل أزمة غزة ، ولن تكون فلسطين كما كانت قبل الأزمة ، ولن يكون الشرق الأوسط كما كان سابقا ، فكل شيئ قابل للتحوّل نحو الأحسن أو الأسوأ، فلا سكون بعد اليوم ، وهكذا تقرر كل الجهات ، بل كل القراءات .

لم تنهزم المقاومة ، ولكنها لن تنتصر ، ولن تنتصر إسرائيل ، ولكنها لن تفرح بعد اليوم ، ولن تكون الشعوب الغربية بلا وعي ، ولكنها تنتظر وقتا طويلا لصناعة الوعي الذى يؤدى إلى التغيير اللازم ، ولن تبقى المنقطة ساكنة بلا حدود ، ولكنها لن تقوم بقوة قريبا ، بل تنتظر لحظات حتى تهبّ الحياة فيها من جديد ، ولن يكون الحكام فى مأمن من الشعوب ، ولكن الهبّة الشعبية العالمية تستغرق وقتا ، وكل ذلك يجرى بسبب ما جرى فى غزة ، إنها تصنع الحياة من جديد .