الوطن العدنية /كتب/ محمد الولص بحيبح
منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، برز ملف استقلال القضاء بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لارتباطه بسيادة القانون، بل لأنه يعكس جوهر معركة الدولة اليمنية بين منطق المؤسسات ومنطق النفوذ والوصاية التي مارسها كلا من المجلس الانتقالي الجنوبي والامارات العربية المتحدة. وفي هذا السياق، تمثل قضية إقالة النائب العام السابق القاضي الدكتور أحمد بن أحمد الموساي نموذجًا صارخًا لكيفية ممارسة الضغوط السياسية الخارجية والداخلية على أعلى هرم الشرعية.
في الخامس والعشرين من مايو/أيار 2022، أصدر مجلس القيادة الرئاسي أول قراراته، وقضى بتغيير القاضي الدكتور أحمد الموساي من منصبه كنائب عام، وتعيين القاضي قاهر مصطفى بدلًا عنه. هذا القرار، الذي جاء في بدايات عمل المجلس، لم يكن معزولًا عن سياقه السياسي، بل جاء – وفق معطيات عديدة – نتيجة ضغوط مكثفة مارسها رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر وواضح من دولة الإمارات العربية المتحدة.
لم تكن هذه الضغوط وليدة لحظة، بل جاءت نتيجة موقف واضح وحازم اتخذه الدكتور الموساي منذ تعيينه نائبًا عامًا في 15 يناير/كانون الثاني 2021، حين وقف ضد محاولات العبث بالقضاء وشؤونه، لا سيما في المحافظات الجنوبية، ورفض إخضاع النيابة العامة لحسابات سياسية أو أمنية تتعارض مع استقلالها الدستوري. هذا الموقف جعله هدفًا مباشرًا لحملة منظمة انتهت بإبعاده من منصبه.
وبرغم قسوة القرار وسياقه الضاغط، تعامل الدكتور الموساي مع إقالته بروح دولة ومسؤولية وطنية عالية. فقد تلقى القرار بصدر رحب، احترامًا للمؤسسات الدستورية، وتقديرًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وبادر إلى إصدار بيان يرحب فيه بالقرار ويهنئ النائب العام الجديد. هذا السلوك لم يكن ضعفًا، بل تعبيرًا عن ثقة بالنفس والتزام راسخ بمبدأ سيادة القانون، رغم قناعته، وقناعة كثيرين، بأن القرار لم يكن نابعًا عن إرادة حرة لرئيس المجلس أو بعض أعضائه، بل جاء تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة مارستها الإمارات والمجلس الانتقالي، في تدخل سافر بشؤون القضاء اليمني.
وخلال إجراءات الاستلام والتسليم بين النائب العام السابق والحالي، تكشفت واحدة من أكثر الوقائع دلالة على نزاهة الدكتور الموساي، إذ أعلنت لجنة الاستلام والتسليم قيامه بتوريد أكثر من مليار ريال يمني إلى خزينة الدولة. هذه الواقعة غير المسبوقة في تاريخ المناصب العليا، لا يمكن فصلها عن شخصية رجل اختار أن يغادر موقعه مرفوع الرأس، مسجلًا نموذجًا نادرًا في الأمانة والمسؤولية الوطنية.
ولم يتوقف سجل الدكتور الموساي عند هذا الحد، بل يسجل له – بكل إنصاف – أنه كان أول مسؤول في الشرعية يبادر رسميًا بمخاطبة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، مطالبًا بإجراء فحص ومراجعة شاملة لكافة الجوانب الإدارية والمالية للنيابة العامة. وقد تم ذلك بخطاب رسمي موجه إلى رئيس الجهاز بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2021، في سابقة وطنية وقانونية وأخلاقية تعكس مستوى عاليًا من الشفافية وتحمل المسؤولية، وتكشف زيف التهم الجزافية التي رُوجت ضده.
إن ما تعرض له الدكتور أحمد الموساي لا يمكن قراءته كقضية شخصية، بل كجزء من نمط أوسع من الضغوط التي تمارسها دولة الإمارات وأدواتها المحلية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، على مؤسسات الشرعية، بما يشبه – في جوهره – ما تعرضت له محافظات حضرموت والمهرة من تدخل وغطرسة وتهميش لإرادة الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن إنصاف الدكتور أحمد الموساي لم يعد مجرد استحقاق شخصي، بل بات ضرورة قانونية ووطنية وسياسية. إنصاف يعيد الاعتبار لرجل دولة ظُلم، ويبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية قادرة على تصحيح أخطائها، وحماية رجالاتها النزيهين، والدفاع عن استقلال القضاء.
إننا نناشد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي أن يتقدم بخطوة شجاعة في هذا الاتجاه، عبر رد الاعتبار القانوني والمعنوي والسياسي للدكتور الموساي، وإنصافه عما لحق به من إجحاف، والنظر في إسناد موقع يليق بكفاءته ومكانته، ولو كان ذلك في منصب وزاري، تقديرًا لدوره، ولأنه كان أحد أوائل ضحايا الصراع بين مشروع الدولة ومشاريع النفوذ.
فالدول لا تُبنى بإقصاء النزيهين، بل بحمايتهم، ولا تُستعاد السيادة إلا حين يكون القضاء حرًا، بعيدًا عن الضغوط، مهما كان مصدرها.