مقالات وآراء

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 04:08 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب_سعيد النخعي

تتردّد في الخطاب السياسي والإعلامي مقولة: «حضرموت ستنفصل إذا انفصل الجنوب»، استنادًا إلى كذبةٍ إعلامية مفادها أن حضرموت لم تكن جزءًا من اتحاد الجنوب العربي. هذه المقولة، على شيوعها، ليست حقيقةً تاريخية، بل كذبة يُعاد تدويرها، ويجرى توظيفها سياسيًا كأنها حقيقة تاريخية، بينما هي مغالطة إعلامية زائفة.
لفهم المسألة على نحوٍ دقيق، لا بد من تفكيكها تاريخيًا، بعيدًا عن الانتقائية، من خلال التمييز بين ثلاث مراحل مفصّلة:
الأولى: مرحلة ما قبل الاستعمار البريطاني.
الثانية: مرحلة محميات عدن الشرقية والغربية.
الثالثة: مرحلة اتحاد الجنوب العربي.
فالتاريخ، حين يُقرأ مجتزأً، يتحوّل من أداة تفسير إلى وسيلة تضليل.
في مرحلة ما قبل الاستعمار البريطاني، لم تكن الرقعة الجغرافية المعروفة اليوم باسم حضرموت وحدةً سياسيةً واحدة، بل كانت تتكوّن من كيانات تقليدية متجاورة: السلطنة القعيطية على الساحل في المكلا والشحر، والسلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وعاصمتها سيئون، بالإضافة إلى جزء من سلطنة الواحدي التي أُلحقت لاحقًا بمحافظة شبوة. لم تكن هذه الكيانات دولًا بالمعنى الحديث للدولة – شأنها شأن بقية سلطنات ومشيخات جنوب الجزيرة العربية – بل نظم حكم محلية ذات استقلال داخلي، تعيش ضمن فضاء اجتماعي وثقافي واحد، تحكمه الروابط القبلية والتاريخ المشترك.
وقّعت السلطنتان القعيطية والكثيرية اتفاقيات الحماية البريطانية عام 1888، بينما دخلت السلطنة العوذلية إلى اتفاق الحماية عام 1914م، بعد أن ظلت رافضة دخول اتفاقية الحماية البريطانية. فأزّت بريطانيا عليها الإمام لاجتياحها عام 1914م، مما دفع السلطان قاسم بن أحمد العوذلي إلى توقيع الاتفاق في سبتمبر من العام نفسه، وهو العام الذي يُعرف، بحسب سكان المنطقة الوسطى، بـ«سنة امزيود» أو «عام امزيدي». لذا، فالتفاوت الزمني في توقيع اتفاقيات الحماية، أو الانضمام إلى اتحاد الجنوب العربي، لا يُنتج هوية ولا ينفيها؛ فالدخول المتأخر لسلطنة العوذلي إلى نظام الحماية لا يعني أن ما يُعرف اليوم بمديريتي لودر ومكيراس كانتا خارج الهوية الجنوبية.
فالحماية البريطانية، في جوهرها، لم تكن اتحادًا داخليًا بين السلطنات، بل علاقة تعاقدية منفصلة بين كل كيان وبريطانيا، ضمن ما عُرف بمحميات عدن الشرقية والغربية. وعليه، فإن ربط هوية حضرموت الجنوبية بتاريخ الانضمام إلى اتحاد الجنوب العربي خلطٌ متعمّد بين الإدارة الاستعمارية والتاريخ الاجتماعي والثقافي للهوية الجنوبية.
دخل الجنوب مرحلته الثالثة مع تأسيس اتحاد إمارات الجنوب العربي عام 1959، ثم توسيعه ليصبح اتحاد الجنوب العربي عام 1962. وانضمت السلطنتان القعيطية والكثيرية رسميًا إلى الاتحاد عام 1963. في المقابل، ظلت عدن مقاطعة مستقلة خاضعة للتاج البريطاني، طوال فترة الاحتلال، ولم تنضم إلى الاتحاد إلا قبيل خروج بريطانيا بأشهر قليلة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كان الانضمام إلى حكومة الاتحاد هو معيار الهوية الجنوبية، فهل يعني ذلك أن عدن لم تكن جنوبية؟ والحقيقة أن عدن، بوضعها الاستعماري الخاص، كانت مقتصرة إداريًا على كريتر والمعلا والتواهي، ولم تشمل محيطها الجغرافي والاجتماعي الأوسع، الذي ظل تابعًا لسلطنات ومشيخات جنوبية أخرى؛ فخور مكسر كانت تتبع الفضلي، والشيخ عثمان كانت تتبع العبدلي، وبئر أحمد والشعب كانتا تتبعان مشيخة العقربي قبل أن تُضمّا إلى مقاطعة عدن لاحقًا، ما عدا بئر أحمد التي ظلت خارجها. هذه المفارقة وحدها تكشف هشاشة منطق اختزال الهوية في الأطر الإدارية التي فرضها الاستعمار.
إن الهوية الجنوبية لم تتشكّل في مكاتب المندوب السامي، ولا في خرائط وزارة المستعمرات البريطانية، بل تبلورت عبر الجغرافيا المشتركة، والبنية الاجتماعية المتقاربة، والامتدادات القبلية، والتاريخ النضالي الواحد. مسارٌ تُوّج بالكفاح الوطني المشترك، الذي تأثر بالمدّ القومي العربي الذي اجتاح المنطقة العربية برمتها، وكان أبناء حضرموت جزءًا أصيلًا من هذا المدّ الذي انتهى بقيام الدولة الجنوبية عام 1967.
فالحديث عن «انفصال حضرموت» في هذا السياق فزاعة سياسية، لا قراءةً تاريخية، لتخويف الجنوبيين من أي خيار سياسي خارج الصيغة المفروضة للوحدة. والحقيقة أن الجنوب ظل دولةً وهويةً قائمةً بذاتها حتى عام 1990، ولا يجوز مقاربة قضيته أو تفريغها عبر مقارنات مضللة مع سياقات تاريخية أخرى مختلفة جذريًا.
فهي ليست مظلوميةً خدميةً عابرة تُقاس بقضية صعدة أو تهامة، بل قضية كيان وهوية ودولة جرى إسقاطها بالقوة عام 1994. فصعدة نتاج صراعٍ مذهبي–سياسي داخل الدولة، وتهامة تعبير عن تهميشٍ تنمويٍّ تاريخي، بينما الجنوب يمتلك تجربة دولة أُلغيت ومشاركةً سياسيةً صودرت. إن مساواة هذه القضايا شكليًا تُفرغها من سياقاتها، ولا تُنصف أحدًا، بل تعمّق أزمة الدولة بإعادة إنتاج الظلم بصورٍ مختلفة.
سعيد النخعي
15/فبراير/2026م