الوطن العدنية/حسن الكنزلي
ليست الرومانسية في ميزان الإسلام كلمات مُنمَّقة تُقال، ولا مشاهدَ متكلَّفة تُصطنع؛ بل هي معنى عميق يسري في تفاصيل الحياة، وروح لطيفة تُحيي العلاقة بين الزوجين؛ حتى تصبح عبادة خفية يتقرب بها الإنسان إلى ربه وهو يُحسن إلى من جعله الله سكنا له.
لقد أُسيء فهم الرومانسية في زماننا؛ حين صورتها الشاشات حلما خياليا، ومواقف استثنائية لا يعيشها الناس في واقعهم، حتى ظن كثيرون أن الحب لا يكون إلا بذلك البريق الزائف.
والحقيقة أن الرومانسية الصادقة أقرب من ذلك بكثير! إنها كلمة طيبة، ونظرة رحمة، ويد حانية، واهتمام صادق، تُقال وتُمارس في بساطة يومية هادئة؛ لكنها عظيمة الأثر.
في التصور الإسلامي؛ لا تقوم الأسرة على المادة وحدها، ولا ينهض البيت بالمال فقط؛ بل تُقيمه عاطفة صادقة تُنعش القلوب، وتطفئ الخلافات، وتمنح الحياة معناها. فالإنسان مفطور على حاجته إلى التقدير، إلى كلمة تُطمئنه، ونظرةٍ تشعره بقيمته. وكم من بيوت ضاقت بأهلها لا لفقرٍ فيها؛ بل لغياب دفء المشاعر! وكم من بيوت بسيطة امتلأت سعادة؛ لأن قلوبا فيها تعارفت على الرحمة.
إن الرومانسية في الإسلام ليست مفهوما طارئا؛ بل أصل قرآني راسخ، يتجلى في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ فهنا تتحدد معالم العلاقة: سكن يطمئن إليه القلب، ومودة تربط الروح، ورحمة تداوي ما تعجز عنه الكلمات.
وقد جسد النبي ﷺ هذا المعنى في حياته اليومية؛ فلم يكن الحب عنده شعورا مكتوما؛ بل سلوكا ظاهرا، ولطفا دائما، واهتماما صادقا. كان يُعبّر، ويُلاطف، ويمنح العلاقة حرارة إنسانية راقية، ليُعلِّم الأمة أن الرقة ليست ضعفا؛ بل كمال، وأن اللطف ليس نقصا؛ بل سموّ.
ولذلك فهم السلف هذا المعنى بعمق؛ فكانوا يرون العلاقة الزوجية تبادلا في الاهتمام، وتوازنا في المشاعر؛ لا استعلاء فيها ولا جفاء. إنها شراكة قلبين، لا مجرد التقاء جسدين.
غير أن الحب – بطبيعته – ليس ثابتا على حال؛ فهو يمر بمراحل، من الاندفاع الأول، إلى التعلق، ثم إلى الاستقرار. وهنا يقع الخطأ الكبير: حين يظن بعض الناس أن فتور العاطفة نهاية الحب؛ بينما هو في الحقيقة بداية نضجه؛ فالحب الحقيقي لا يُقاس بحرارته اللحظية؛ بل بثباته، وبقدرته على الصبر، والتجاوز، والاستمرار رغم تغير الظروف.
وقد أفسدت الثقافة المعاصرة هذا الفهم؛ حين رفعت سقف التوقعات، وصوّرت علاقة بلا نقص، ولا تعب، ولا اختلاف؛ فدخل الناس حياتهم الزوجية وهم يحملون خيالا لا وجود له؛ فكانت النتيجة خيبة متكررة؛ لا لقلة الحب؛ بل لكثرة الأوهام.
أما الإسلام؛ فقد أعاد الحب إلى توازنه؛ فجعل أساسه الرحمة؛ لا الشغف وحده، والعطاء؛ لا الأخذ فقط، والإيمان لا الهوى؛ فالرومانسية الحقيقية ليست أن تقول: "أحبك" فقط؛ بل أن تصبر، وتغفر، وتبقى، وتحسن، حتى حين تخفت المشاعر.
ومن هنا؛ فإن الرومانسية ليست حالة عفوية فحسب؛ بل مهارة تُكتسب، وفن يُتعلَّم. تبدأ بالكلمة الطيبة التي تُحيي القلوب، وتمتد إلى حسن الإصغاء وفهم المشاعر، ثم إلى التعبير عن التقدير، وإدارة الخلاف بلطف، وتجديد العلاقة حتى لا يقتلها الروتين.
إنها تفاصيل صغيرة؛ لكنها تصنع الفارق: ابتسامة صادقة، وقت يُقتطع من زحام الحياة، هدية بسيطة، دعاء في الغيب، اهتمام بالمظهر، أو حتى صمت رحيم في لحظة غضب.
وفي المقابل؛ فإن غياب هذه المعاني يحوّل العلاقة إلى صورة بلا روح؛ فيسكنها البرود، وتتسلل إليها الخلافات، ويشتد فيها الشعور بالوحدة، حتى مع وجود الشريك. وربما قاد ذلك – مع الوقت – إلى تصدّع في الأسرة، أو بحث خاطئ عن التعويض.
إن أخطر ما يواجه العلاقات اليوم ليس قلة الحب؛ بل الانشغال، وسوء الفهم، وتراكم الجراح الصغيرة، إلى جانب التأثر بالنماذج الوهمية، والمقارنات التي تقتل الرضا.
ولهذا يدعو الإسلام إلى واقعية ناضجة؛ فلا كمال في البشر، ولا علاقة بلا نقص؛ بل الجمال الحقيقي في علاقة تُصلح أخطاءها، وتتجاوز عثراتها، وتستمر رغم كل شيء.
الرومانسية إذن ليست ترفا يُؤجَّل؛ بل ضرورة لبقاء الأسرة، وسر من أسرار السكينة. وهي ليست بديلا عن المسؤولية؛ بل شريك لها؛ فالكلمة الجميلة لا تُغني عن أداء الواجب، كما أن القيام بالواجب لا يُغني عن دفء المشاعر.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق: أن أجمل العلاقات، وأبقاها، وأصدقها؛ هي تلك التي تُبنى على طاعة الله، وتُسقى بماء الإيمان. فحين يمتلئ القلب بمحبة الله؛ يستقيم حبه للناس، ويصبح أنقى، وأهدأ، وأصدق.
إن البيوت لا تُبنى بالجدران؛ بل بالقلوب؛ فإذا سكنت القلوب، سكنت البيوت، وإذا دَفِئت الأرواح؛ صار البيت جنة صغيرة؛ تُخفف عن الإنسان عناء الحياة، وتمنحه معنى السكينة الذي يبحث عنه الجميع.
نسأل الله أن يؤلف بين قلوب الأزواج، وأن يملأ بيوتهم مودة ورحمة وسكينة، وان يجعل بينهم قولا حسنا، وخلقا كريما، وعشرة بالمعروف!
ودمتم سالمين!