الوطن العدنية/كتب/القاضي أنيس جمعان
احْثُوا فِي وُجُوه المطبّلين التُّرَابَ
يُعدّ التَّطبيل أحد السلوكيات الاجتماعية السلبية التي تتجاوز حدود المجاملة المقبولة، لتصل إلى مستوى التأثير على نزاهة القرار العام وسلامة الإدارة. فهو لا يقف عند حدود التعبير، بل يمتد ليؤثر في بيئة العمل المؤسسي، ويُضعف آليات الرقابة والتقييم.
التَّطبيل آفَةُ خطيرة اجتاحت مجتمعاتنا، فصارت المجاملات تزيّن الباطل، والتصفيق الحار يُرافق كل قول مهما كان فارغاً. المطبِّلون يرفعون أصواتهم بالثناء الكاذب، يطلقون الألقاب العظيمة على من لا يستحقها، ألسنتهم تمتدح وقلوبهم تكره وسرائرهم تغلّ. التَّطبيل لا يبني بلداً، ولا يصلح مجتمعاً، ولا ينفع مسؤولاً، إنما يحط من قدر صاحبه ويجعله قزماً. قالت العرب في الأثر: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"، ولم تقل: "رحم الله امرئً طاف بطبلته الديار".
لم يعد التَّطبيل سلوكاً هامشياً، بل أصبح ظاهرة مقيتة تُفسد الذوق العام، وتُزيّف الوعي، وتُجمّل الفشل حتى يبدو إنجازاً. في زمن اختلطت فيه القيم، ارتفعت أصوات المطبّلين، وانخفضت مكانة الصادقين.
المطبّل لا يرى الحقيقة، ولا يريد لها أَنْ تُرى، بل يصنع من الوهم واقعاً، ومن الخطأ صواباً. هو شريك في الفشل، وإنْ لبس ثوب الولاء، ومساهم في الانهيار، وإنْ ادّعى الإصلاح.
المطبّلون وصناعة الوهم
المطبّلون لا يرفعون المسؤول، بل يدفنونه حياً تحت ركام المديح. يحيطونه بكلمات منمّقة، حتى يفقد القدرة على رؤية الأخطاء، فيظن أنه بلغ الكمال، وما هو إلا في طريق السقوط.
كل قرار خاطئ لم يُصحَّح، وكل فساد لم يُكشف، خلفه غالباً صوت مطبّل، فضّل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.
التَّطبيل في القرآن والأحاديث
لقد حذّر الشرع الإسلامي من هذه الآفة بوضوح لا لبس فيه، كما حذّرت السنة النبوية من آثار المديح المفرط، لما فيه من إفساد للذمم وإضعاف لروح النقد البنّاء.
*لقد كشف القرآن الكريم عن صفات المنافقين وأبرزها حبهم للمدح كذباً ونفاقاً، وهو الجذر الذي يقتات عليه التطبيل، مبيناً أنَّ من صفات المنافقين حبهم للمدح الكاذب على إنجازات لم تتحقق. قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ).[البقرة: 8]. كما وصف اضطراب نفوسهم وخوفهم من انكشاف حقيقتهم بقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ).[المنافقون: 4]، وقال: (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).[آل عمران: 188].
أما السنة النبوية، فقد وضعت حداً حازماً لهذه الظاهرة، ولم تكتفِ بالنهي بل أمرت بالفعل لمواجهتها:
1. الحزم مع المداحين:
فقد حذّر رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته أشد التحذير، فقال: (إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ).[رواه مسلم]. أي زجرٍ أشد من هذا؟ وأي تحذير أوضح؟ إنه إعلان برفض ثقافة التزييف، وقطع الطريق على صناعة الأصنام البشرية. وهذا نهي صريح عن التطبيل والمديح الزائد، وأمر بإهانة هذه العادة وإخمادها. وفي هذا إشارة إلى ضرورة إهانة هذا السلوك وقطع الطريق على من يتخذ المديح مهنةً للتكسب أو التضليل.
2. النهي عن تعظيم المنافق:
حذر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إضفاء صفات السيادة على من لا يستحقها، فقال: (لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدَنَا؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدَكُمْ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ).[رواه أبو داود وصححه الألباني].
3. المدح كأداة قتل:
وصف النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التزكية المبالغ فيها في الوجه بأنها نوع من الهلاك، فقال: (ذبح الرجل أن تُزَكِّيَهُ في وَجْهِهِ).[رواه أبو داود]؛ لأن المداح هنا يذبح في الممدوح روح المراجعة والإصلاح.
فهذه النصوص تؤكد أنَّ التَّطبيل من خصال النفاق، وأنَّ المداحين الكذبة هم شر الناس عند اللَّهُ ورسوله.
الأثر القانوني والإداري للتَّطبيل
يمكن رصد آثار التَّطبيل في عدة جوانب:
1. إضعاف مبدأ المساءلة: حيث يؤدي إلى غياب النقد، وبالتالي غياب التصحيح.
2. تشويه معايير الكفاءة: إذ يُقدَّم الولاء على الجدارة.
3. التأثير على القرار الإداري: نتيجة نقل صورة غير دقيقة عن الواقع.
4. تعزيز الفساد الإداري: عبر خلق بيئة غير قابلة للنقد أو المراجعة.
وهذه الآثار تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الإداري، وعلى رأسها: الشفافية، والمشروعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. المعالجة والحلول.
لمواجهة ظاهرة التَّطبيل، يتوجب تعزيز ثقافة النقد البنّاء داخل المؤسسات، حماية المبلّغين والناصحين من أي ممارسات انتقامية، ترسيخ معايير موضوعية لتقييم الأداء، تفعيل أدوات الرقابة الداخلية والخارجية.
نصيحة: كفى تطبيلاً
اتقوا اللَّه أيها المسؤولون، واقبلوا النصح بكل صدر رحب، وأبعدوا عنكم المطبّلين. فالمجتمعات التي تقدّمت لم تبن على التطبيل، بل على النقد البناء، واحترام الرأي الآخر، والجرأة على قول الحق.
المسؤول الحقيقي الواعي هو من يحيط نفسه بالناصحين لا المصفقين يحتاج إلى من ينصحه ويقوّمه، وذلك هو الوفاء الحقيقي. فالنقد البناء هو الوقود الذي يحرك عجلة التطور، أما من استطاب التَّطبيل وأحاط نفسه بالمطبّلين فقد أذن بالخراب، فهو المخدر الذي يسبق الانهيار.
إنَّ المجتمعات التي تصفق لكل شيء، تنتهي بلا شيء. القوة الحقيقية لأي أمة تكمن في النقد البناء وفي وجود مستشارين يقولون للمخطئ أخطأت، فإنَّ الوفاء الحقيقي للمسؤول هو في إهدائه عيوبه، لا في إغراقه بكلمات الثناء التي قد تهوي به وبالمجتمع في الهاوية.
الخاتمة: الإصلاح يبدأ بالصدق
إنَّ التَّطبيل ليس مجرد خلل أخلاقي، بل يمثل تهديداً حقيقياً لسلامة الإدارة العامة. ولا يمكن بناء مؤسسات قوية في ظل بيئة تُكافئ المديح وتعاقب الصراحة.
إنَّ المجتمعات التي تقدّمت العالم لم تبن على التَّطبيل بل على النقد البناء والجرأة على قول الحق. فكفى تطبيلاً. كفى تزييفاً. كفى تصفيقاً على حساب الحقيقة. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالسقوط حين يُسكت الناصح، ويُرفع المتَّطبل تطبيلاً، ولنكن صوتاً للحق صادقاً يعين على الإصلاح، ولو خافتاً، ولا تكونوا صدىً للباطل، ولو كان صاخباً، لا مجرد أيادٍ تصفق لكل ما يُقال. نعم، فليعش المسلم في ميدان النقد البناء والصدق النافع، لا في حلبة التَّطبيل المجاني. فإن السعيد من جعل التَّطبيل خلف ظهره واتخذ الصدق رفيق دربه، واللَّه تعالى يقول: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).[المائدة: 119].
أنَّ الصدق خلق إسلامي جميل، اتفق العقلاء على مدحه وذم نقيضه. فمن ترك الكذب والمديح الزائف فقد أشرف على ثغرة التقوى، ومن أراد الإصلاح فعليه بالصدق والنصح، كما قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ).[رواه مسلم]، والنصيحة الصادقة للمسلمين وللحاكم خير من ألف مدحة زائفة تدمر ولا تصلح.
وأخيراً، لا بد من التأكيد أنَّ الذنب يعظم بقدر صاحبه، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ذبح الرجل أن تُزَكِّيَهُ في وَجْهِهِ).[رواه أبو داود]. مهما برعت في التَّطبيل، فاعلم أنه إذا زاد عليك المداحون بما ليس فيك فكأنك عدتهم، وإذا هم زكوك بما لم تعمله فما أسرع أن تصير إلى مقت اللَّهُ ورسوله. فاتقوا اللَّه أيها المسؤولون، واقبلوا النصح بكل صدر رحب، وأبعدوا عنكم المطبّلين، فإن المجتمعات التي تقدّمت لم تبن على التَّطبيل بل على النقد البناء والجرأة على قول الحق. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).[يوسف: 21].
وعليه، فإنَّ الإصلاح يبدأ من إعادة الاعتبار لقيمة الصدق، بوصفه أساساً لكل نظام عادل ومستقر. إنَّ تشخيص الداء هو طريق علاجه، ولن يصلح هذا المجتمع إلا إذا تركنا التَّطبيل جانباً وبدأنا نصغي للصرخة الإيمانية في وجداننا: احْثُوا فِي وُجُوه المطبّلين التُّرَابَ.
وَاللَّهُ المستعان، والحمد لله رب العالمين.
المصادر :
------------
1. القرآن الكريم:
. سورة البقرة: 8
. سورة المنافقون: 4
. سورة آل عمران: 188
. سورة المائدة: 119
. سورة يوسف: 21
2. الأحاديث النبوية:
. صحيح مسلم
. سنن أبي داود
. سلسلة الأحاديث الصحيحة - محمد ناصر الدين الألباني
. الموسوعة الحديثية (الدرر السنية) في باب النفاق والمدح الزائف
. إسلام ويب - مقالات وفتاوى حول أثر التطبيل على المجتمعات.
. شبكة الألوكة - دراسات شرعية وفكرية عن خطورة المديح المفرط
القاضي أنيس صالح جمعان
28 أبريل 2026م