الوطن العدنية / محمد المسبحي
هناك سؤال ظل يلاحقني طيلة ثمان سنوات: كيف تعجز أغنى الدول النفطية (التحالف) عن تعزيز التوليد الكهربائي في عدن؟!!!
سؤال يبدو محرج في ظاهره، لكنه يدفعنا إلى التعمق بعيداً عن الإجابات السطحية.
فالدعم الخارجي في معظمه لم يكن موجه لبناء قدرات توليد مستدامة.بقدر ما كان يركز على الاحتياجات الإسعافية: توفير الوقود، دعم التشغيل، وإبقاء الخدمة في حدها الأدنى من الاستقرار. وهذا النوع من التدخل، مهما كان ضروري، لا يُنتج تحول بنيوي دائم..
حتى مع إضافة قدرات توليد جديدة، يبقى الأثر محدود ما لم تُعالج منظومة الكهرباء ككل. فشبكات النقل والتوزيع تعاني من ضعف واضح، وارتفاع في الفاقد، وانتشار الربط العشوائي والمزدوج، ما يجعل أي زيادة في الإنتاج غير كافية لتحسين الخدمة بشكل ملموس. فالمشكلة ليست في التوليد وحده، بل في منظومة متكاملة: نقل وتوزيع وتحصيل وإدارة ...
وتبرز الحوكمة كعامل حاسم؛ فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة، وقرار موحد، وشفافية ومساءلة. غير أن تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات يجعل الاستثمارات أكثر مخاطرة، ويدفع نحو حلول جزئية بدل المشاريع الجذرية.
كما أن العامل المالي لا يقل أهمية، إذ تعاني المنظومة من تعرفة منخفضة لا تغطي كلفة الإنتاج، وضعف في التحصيل، ومديونيات متراكمة، ما يضعف الاستدامة حتى مع وجود دعم خارجي.
ويزيد الاعتماد على الوقود التقليدي من تعقيد الأزمة، نظراً لارتفاع كلفته وعدم استقراره، بينما يتطلب التحول إلى بدائل أكثر كفاءة مثل الغاز أو الطاقة المتجددة يتطلب استثمارات ضخمة وبنية مؤسسية متكاملة، لا يمكن تحقيقها دون إصلاح فني ومالي واداري شامل للقطاع.
وفي السياق نفسه، يضيف تسييس الملف، وتعدد الأولويات، وتراجع المستوى المعيشي للناس مزيداً من التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع القرارات الفنية، فتتأخر الحلول الشاملة وتُستبدل بمعالجات مؤقتة.
كما أن ضعف توريد الإيرادات وعدم الانضباط المالي يضعفان قدرة القطاع على التشغيل، ويؤثران على ثقة الممولين في جدوى أي استثمارات طويلة الأجل.
ومن النقاط الجوهرية أيضاً مسألة الاستقرار المؤسسي في قيادة القطاع، حيث شهدت وزارة الكهرباء خلال السنوات العشر الماضية تغيير أربعة وزراء، وهو ما انعكس على استمرارية السياسات والخطط. وفي المقابل، يجب منح الوزير الحالي المهندس عدنان الكاف الوقت الكافي لتطبيق رؤيته وبذل جهده ضمن إطار خطة واضحة ومستقرة، بعيداً عن التبديل السريع الذي يضعف فرص الإصلاح المتراكم.
في المحصلة، لا تبدو أزمة كهرباء عدن مرتبطة بعامل واحد، وانما بمنظومة متداخلة، حيث لا يكفي التمويل وحده ولا التوليد وحده لصناعة استدامة حقيقية.
والنتيجة أن ما يحدث حتى الآن هو إدارة للأزمة أكثر من كونه حل لها، مع غياب خطوات حاسمة نحو إصلاح جذري شامل.