مقالات وآراء

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 05:48 م بتوقيت اليمن ،،،

مقال الكاتب / محمد المسبحي




​إن قراءة الدور الواقعي للمجلس الرئاسي والحكومة في ظل أزماتنا الراهنة تستوجب أولاً التحرر من أسر التوقعات المثالية والاعتراف بأن المرحلة الحالية تفرض قيوداً صارمة على نطاق الحركة المتاحة، فليس المجلس الرئاسي ولا الحكومة في وضع يسمح لهما بتقديم حلول جذرية لكل الملفات المتراكمة دفعة واحدة. وهذا الإقرار ليس صكا بالاستسلام أو إعلاناً للعجز، وإنما هو قراءة موضوعية واعية لطبيعة التعقيدات الجيوسياسية والاقتصادية والمؤسسية التي نعيشها. وحين نتحدث عن الصدق مع الناس كقيمة سياسية، فإننا نعني بذلك التوقف عن استهلاك الرصيد الوطني في وعودٍ لا تجد طريقها إلى الواقع، لأن أخطر ما يواجه المجتمعات هو إغراقها في أوهام الحلول السريعة التي تزيد من حدة خيبات الأمل.
​وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، يتحول الحفاظ على بقاء الدولة ومؤسساتها من مهمة إجرائية إلى غاية وطنية كبرى ومعركة وجودية بحد ذاتها، حيث يغدو الصمود هو الاستراتيجية الأكثر رشداً وحكمة؛ فإدارة الدولة في مرحلة الأزمات العميقة لا يجب أن تهدف في المقام الأول إلى تحقيق انتصارات سياسية أو اقتصادية كبرى بقدر ما يجب أن تركز على تجنب الهزيمة الشاملة. وهذا النهج يتطلب شجاعة فائقة تقتضي تقليص الطموحات المعلنة وتكثيف كافة الجهود الوطنية المحدودة نحو أولويات بقائية لا تقبل التأجيل، وعلى رأسها منع الانهيار الهيكلي للمؤسسات وضمان ديمومتها الوظيفية، والتركيز الحثيث على صون الخدمات الإنسانية الأساسية من صحة وغذاء وكهرباء وأمن، لضمان بقاء الناس على قيد الحياة وتماسك النسيج الاجتماعي حتى تتغير الظروف نحو مسارات بناء أفضل.
​فعندما يعجز المجلس الرئاسي والحكومة عن تنفيذ إجراءات رفع قدرة محطات توليد الكهرباء، بما فيها محطة الرئيس، فعليهما الخروج للناس بمكاشفةٍ صريحة ووضع الحقائق كما هي على الطاولة، وتوضيح الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا العجز، بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة من الاجتماعات والتصريحات التي لم تعد تجدي نفعاً، ولم تعد قادرة على احتواء غضب الشارع أو ستر عورة الواقع. إنّ امتلاك الحقيقة هو فعل الشجاعة الذي يقطع دابر التشكيك؛ فالمواطن حين يعرف "لماذا" يعاني، يتحول إلى حصنٍ للصمود، بينما الوعود الزائفة التي تتبخر مع أول شعاع شمس، لا تورث إلا خيبة تحرق أعصاب الناس قبل أن تحرقهم شمس صيفٍ يفتقر لأدنى مقومات الطاقة.