الوطن العدنية/ محمد نصر شاذلي
لم نكن يومًا نرتضي لأنفسنا الذل أو الحرمان، ولم تكن عدن مدينة تقبل أن تُدار بعقلية الإقصاء والتهميش. فعلى امتداد تاريخها، قدم أبناء عدن نموذجًا في الصبر والثبات، وتحملوا من الأزمات ما لم تتحمله مدن كثيرة، ومع ذلك ظلوا متمسكين بالدولة والنظام والقانون، مؤمنين بأن الحقوق تُبنى بالمؤسسات لا بالفوضى.
لقد صبر أبناء عدن على تدهور الخدمات، وعلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وعلى انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة، ولم يكن ذلك ضعفًا، بل حرصًا على مدينتهم وخوفًا عليها من الانزلاق إلى الفوضى.
لكن الصبر لا ينبغي أن يُفهم على أنه قبول دائم بالتهميش أو الحرمان من الحقوق. فمن حق أبناء عدن أن يكونوا شركاء حقيقيين في إدارة مدينتهم، وأن تُمنح مؤسساتهم المحلية الصلاحيات التي تمكنها من خدمة المواطنين واتخاذ القرارات التي تحقق المصلحة العامة، في إطار القانون والدولة.
ومن حق أبناء عدن أيضًا أن يحظوا بتمثيل سياسي وإداري عادل في مؤسسات الدولة العليا، بما يتناسب مع مكانة مدينتهم ودورها الوطني. فعدن هي العاصمة، ورمانة الميزان في اليمن، ولا يستقيم أن تغيب عن مواقع صنع القرار أو أن يكون حضور أبنائها أقل من غيرهم.
وصحيح أن عدن كانت ولا تزال مدينةً احتضنت الجميع، وعاش فيها أبناء كل المحافظات، وأصبح كثير منهم جزءًا من نسيجها الاجتماعي، وهذه إحدى أعظم ميزاتها التي يعتز بها كل العدنيين. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها مبرر لحرمان أبناء عدن من حقهم المشروع في التمثيل السياسي والإداري.
فكما تحظى محافظات أخرى بتمثيل واضح في الحكومة والسلطات العليا، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي، فمن الطبيعي والعادل أن يكون لأبناء عدن حضورٌ مستحق في هذه المؤسسات، أسوةً ببقية المحافظات، ومنها حضرموت ومأرب وغيرها، انطلاقًا من مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، وليس من باب الامتياز أو الإقصاء.
ومن الأهمية بمكان أيضًا أن يحظى ملف تمثيل عدن باهتمام خاص في أي حوار سياسي قادم، وفي مقدمة ذلك الحوار الجنوبي في الرياض. فعدن، بصفتها العاصمة ومركز الثقل السياسي والإداري، تستحق أن يمثلها رجال ونساء يمتلكون القيمة السياسية، والحضور الميداني، والثقل الاجتماعي، والخبرة والكفاءة، وأن يكونوا قادرين على نقل هموم المدينة والدفاع عن حقوقها ومصالحها بكل مسؤولية واقتدار.
إن تمثيل عدن لا ينبغي أن يكون تمثيلًا شكليًا أو قائمًا على المجاملات أو المحاصصة، بل يجب أن يستند إلى معايير الكفاءة والقبول المجتمعي والتاريخ الوطني، حتى يكون صوت عدن حاضرًا بقوة في صناعة القرار، ويعكس تطلعات أبنائها وآمالهم.
فعدن ليست مدينة هامشية، بل هي العاصمة ورمانة الميزان، واستقرارها وازدهارها ينعكسان على الجنوب واليمن عمومًا. ولهذا فإن حسن اختيار من يمثلها في الحوارات والمفاوضات والمناصب الوطنية يعد مسؤولية وطنية قبل أن يكون استحقاقًا سياسيًا.
إن مستقبل عدن لن يُبنى بالاتهامات المتبادلة، وإنما بالشراكة الصادقة، واحترام القانون، وتمكين المؤسسات، والاستماع إلى صوت المواطنين. فهذه المدينة كانت وستظل رمزًا للتعايش والانفتاح، وهي قادرة على النهوض متى توفرت الإرادة الصادقة والإدارة الرشيدة.
حفظ الله عدن وأهلها، وألهم الجميع الحكمة لتغليب مصلحة المدينة وأبنائها على كل اعتبار.
محمد نصر شاذلي
وكيل اول العاصمه عدن