مقالات وآراء

الأربعاء - 01 يوليو 2026 - الساعة 05:21 ص بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/أمين بارفيد

ليست كل الحوارات السياسية نتاج رغبة في التوافق، فبعضها يولد لأن موازين القوى تصل إلى نقطة يصبح معها استمرار الصراع أكثر كلفة من إدارة الاختلاف. ومن هذا المنظور، فإن قراءة مؤتمر الحوار بين المكونات السياسية في الجنوب والشرق من زاوية "الرغبة في المصالحة" وحدها تبدو قراءة قاصرة؛ لأن ما يجري في الرياض هو في جوهره استجابة لتحول أعمق في البيئة السياسية اليمنية والإقليمية، فرض إعادة التفكير في شكل العلاقة بين القوى المحلية، وفي آلية إنتاج الشراكة داخل معسكر الشرعية نفسه.

خلال السنوات الماضية، بُنيت كثير من المعادلات على افتراض أن السيطرة العسكرية أو النفوذ الأمني كفيلان بإنتاج شرعية سياسية دائمة، وأن امتلاك القوة على الأرض يعني تلقائياً امتلاك حق التحدث باسم الجغرافيا التي تسيطر عليها. غير أن التجربة أثبتت العكس. فقد استطاعت بعض القوى أن تفرض حضورها في لحظة معينة، لكنها لم تستطع أن تنتج إجماعاً سياسياً مستقراً، ولا أن تقدم نموذجاً قادراً على استيعاب التنوع الواسع داخل الجنوب والشرق اليمني.

لقد تغيرت الجغرافيا السياسية خلال الأعوام الأخيرة بصورة لافتة. فالشرق اليمني، وفي مقدمته حضرموت والمهرة وشبوة، لم يعد مجرد امتداد جغرافي للجنوب، بل أصبح مركز ثقل سياسي واقتصادي وأمني يمتلك رؤيته الخاصة ومصالحه الخاصة. وهذا التحول جعل من الصعب العودة إلى معادلات كانت تفترض وجود مركز واحد ينتج القرار في عدن أو صنعاء، فيما تكتفي بقية المحافظات بدور التابع أو المؤيد.

في المقابل، لم تعد المحافظات الجنوبية هي الأخرى كتلة سياسية واحدة، بل برز داخلها تعدد في الرؤى حول شكل الدولة، وطبيعة العلاقة مع المركز، وأولويات المرحلة المقبلة. وهذا التعدد لا يمثل أزمة بحد ذاته، بل يصبح أزمة فقط عندما يحاول طرف ما اختزال الجميع في مشروعه أو الادعاء بأنه الممثل الحصري لمستقبل الجنوب.

هنا تحديداً يمكن فهم الدافع الحقيقي للحوار. فهو ليس محاولة لحسم الخلافات الكبرى دفعة واحدة، وإنما محاولة لإعادة تنظيم المجال السياسي داخل الجنوب والشرق، بحيث يصبح التنوع جزءاً من المعادلة السياسية بدلاً من أن يكون سبباً دائماً للصدام.

ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم الدور السعودي. فالمملكة لا تنظر إلى الحوار باعتباره مناسبة بروتوكولية، بل باعتباره استثماراً استراتيجياً في استقرار اليمن. فمنذ سنوات، كانت الرياض تدير شبكة واسعة من الحلفاء، لكل منهم حساباته وأولوياته، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن استمرار هذه التباينات يضعف معسكر الشرعية أكثر مما يضعف خصومه. لذلك أصبح الانتقال من إدارة الحلفاء إلى بناء شراكة بينهم هدفاً سياسياً أكثر إلحاحاً.

إن المملكة تدرك أن أي عملية سلام شاملة في اليمن لن تنجح إذا دخلت القوى المحسوبة على الشرعية وهي تحمل أكثر من خطاب وأكثر من مشروع وأكثر من وفد سياسي. ولهذا فإن الحوار بين المكونات الجنوبية والشرقية لا يهدف فقط إلى معالجة الخلافات المحلية، بل إلى بناء كتلة سياسية أكثر تماسكاً، تستطيع التفاوض من موقع الشراكة لا من موقع التنافس الداخلي.

كما أن الدعم الدولي لهذا المسار لا ينفصل عن الإدراك المتزايد بأن استقرار اليمن يبدأ من بناء توافقات داخلية حقيقية، لا من الاكتفاء بإدارة الأزمات. فالتجارب أثبتت أن الاتفاقات التي تُفرض من الخارج تبقى هشة إذا لم تستند إلى قاعدة محلية واسعة تشعر بأنها شريكة في صياغتها.

غير أن الفرصة التي يتيحها مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض لن تتحول تلقائياً إلى نجاح. فالخطر الحقيقي لا يكمن في فشل الحوار، بل في نجاحه شكلياً مع بقاء الذهنية القديمة نفسها؛ ذهنية البحث عن الغلبة، واحتكار التمثيل، وإعادة إنتاج مراكز النفوذ السابقة بصور جديدة.

إن التحدي الأكبر أمام القوى السياسية اليوم ليس إثبات من هو الأقوى، وإنما الاتفاق على قواعد جديدة لتنظيم الاختلاف. فالسياسة لا تُقاس بقدرة طرف على إقصاء منافسيه، وإنما بقدرته على بناء منظومة تسمح للجميع بالمشاركة دون أن يشعر أي طرف بأنه مستهدف أو مُلغى.

لهذا فإن الحوار الجنوبي يمثل فرصة استراتيجية أكثر من كونه حدثاً سياسياً عابراً. فهو يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الجنوب والشرق، وبين المحافظات المختلفة، وبين القوى السياسية نفسها، على أساس الشراكة لا الوصاية، والتوازن لا الاحتكار.

وقد لا يحسم المؤتمر كل القضايا، لكنه يستطيع أن يؤسس لثقافة سياسية جديدة، تدرك أن المستقبل لا يمكن أن يبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما بمنطق الشركاء الذين يديرون اختلافاتهم داخل مشروع سياسي جامع، ويضعون استقرار اليمن فوق حسابات المكاسب الآنية.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل سينجح الحوار؟ بل هل تنجح القوى المشاركة في استيعاب التحول الذي فرض انعقاده؟ لأن إدراك طبيعة هذا التحول هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل مختلف للجنوب والشرق، ولليمن بأسره.