مقالات وآراء

السبت - 04 يوليو 2026 - الساعة 02:35 م بتوقيت اليمن ،،،

كتب د. فائزة عبدالرقيب


بعد اكثر من عشر سنوات من الحرب، لم يعد مقبولاً أن تظل بعض القوى السياسية اليمنية، سواء في الرياض او في الجنوب، اسيرة مواقف جامدة وسقوف سياسية تجاوزتها الاحداث. فقد كشفت سنوات الصراع حجم الخسائر التي ترتبت على التشدد والانقسام، واثبتت أن الاوهام لا تصنع دولة، وأن تجاهل المتغيرات لا يصنع مستقبلاً.

شهدت هذه السنوات حوارات سياسية مضنية بين الاحزاب الوطنية، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل مختلف المكونات السياسية، وتفضي الى مخرجات اصبحت اليوم مرجعاً وطنياً واقليمياً ودولياً لمعالجة الأزمة اليمنية. ورغم ما قد يحيط بهذه المرجعيات من ملاحظات، فإنها تمثل القاسم المشترك الذي لا غنى عنه لأي تسوية سياسية، ولا ينبغي لأي سياسي مسؤول أن يتجاوزها او يقفز عليها، بل أن ينطلق منها نحو حوار جاد بين القوى الوطنية في مناطق الشرعية، جنوباً وشرقاً، لتوحيد الصف وتحقيق استقرار الجنوب، بما يهيئ الظروف لاستعادة الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب اليمني في اطار الدولة الاتحادية.

غير أن بعض القوى ما زالت توهم انصارها بأن التمسك بالمواقف القصوى كفيل بتحقيق كل المطالب، بينما تؤكد التجربة أن السياسة لا تُدار بالامنيات، وإنما بالتوافقات والشرعية والقدرة على تحويل الحقوق الى مكاسب قابلة للتحقق، مع مراعاة تطلعات ابناء الجنوب الذين يتوقون الى الأمن والاستقرار، ويستحقون خطاباً سياسياً صادقاً يواجه الواقع كما هو، لا خطاباً يغذي الاوهام ويؤجل الحلول.

لا خلاف على أن من حق ابناء الجنوب الدفاع عن قضيتهم والمطالبة بحقوقهم السياسية والتاريخية، غير أن استعادة هذه الحقوق لا تتحقق عبر الخطاب الذي يضلل الجمهور ويخلق توقعات غير واقعية. فالمناضل الحقيقي هو من ينتزع حقوقه عبر مشروع سياسي واقعي يحظى بالشرعية، ويستند الى وحدة الصف وبناء التوافقات الوطنية. ولا شك أن مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي يمثل الاطار الامثل لبلورة رؤية جنوبية جامعة تعالج مختلف القضايا الأمنية والخدمية، وآليات إدارة الموارد، وصياغة موقف موحد بشأن التمثيل السياسي ومستقبل القضية الجنوبية.

واليوم يقف الجنوب امام خيارين لا ثالث لهما: اما انجاح الحوار الجنوبي-الجنوبي والتوافق على رؤية سياسية موحدة تجاه القضية الجنوبية ومستقبلها، واما استمرار الخلافات التي تستنزف الجميع، وتضعف الجبهة الداخلية، وتمنح جماعة الحوثي فرصة لاستثمار الانقسام في لحظة تعد من اخطر اللحظات التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد تهديداتها على جبهات عدة، في الضالع والجوف وغيرها من المناطق. فالانشغال بالخلافات الداخلية على حساب الخطر الاكبر لا يشكل تهديداً لمستقبل اليمن شمالاً وجنوباً فحسب، بل يهدد الجمهورية ذاتها، ويفتح الباب امام عودة المشروع الإمامي بصيغته الجديدة، وهو ما يجعل وحدة الصف اليوم مسؤولية وطنية لحماية مستقبل الجنوب واليمن.