الوطن العدنية/أحمد الشلفي
التطورات الأخيرة بعد قيام الطائرة ماهان واختراق الأجواء اليمنية وقصف مطار صنعاء لمنعها من الهبوط وقصف الحوثيين لمطار أبها في السعودية حملت مؤشراً مختلفا نحو احتمال نشوب مواجهة عسكرية .
صحيح أن الحديث عن مواجهات محتملة خلال السنوات الماضية ، لكن ما يلفت هنا أنه يبدو منطقياً هذه المرة، خصوصاً أنه يتقاطع مع أحداث محلية وإقليمية ودولية
ومع عودة الحرب الأمريكيةالإيرانية.
مو جهة الحكومة اليمنية فذلك جاء متزامنا مع لحظة تشهد إعادة ترتيبات داخل المؤسسة العسكرية الحكومية، ومحاولات لفرض مركز قرار واحد، بالتوازي مع رسائل إقليمية توحي بأن خيار الحسم العسكري لم يُطوَ نهائياً كما كان يُعتقد.
فهل تعود صنعاء إلى الطاولة كعنوان عسكري بعد عشر سنوات من الحرب، يُفكَّر فيه بجديةوماذا يعني ذلك عملياً؟ وكيف يبدو استعداد جميع الأطراف للمعركة وخاصة الحكومة اليمنية .
بنية القوات المرتبطة بالحكومة
يتكوّن المعسكر المناهض للحوثيين اليوم من منظومة عسكرية متعددة المستويات، تضم الجيش الوطني بوصفه الإطار الرسمي لوزارة الدفاع، إضافة إلى تشكيلات مستحدثة ذات قيادة مستقلة، فضلًا عن وحدات جنوبية أُعيد توزيعها بعد التحولات الأخيرة في الجنوب وقوات العمالقة إضافةإلى قوات حراس الجمهورية في المخاغربا.
يُقدَّر عدد أفراد الجيش الوطني المنخرط في الميدان بنحو أربعمئة الف عنصر بحسب تصريحات أخيرة لوزير الدفاع ، ويضم ضمن بنيته التنظيمية المناطق العسكرية السبع، إلا أن الانتشار الفعلي يتركّز في مأرب وتعز والمحافظات الجنوبية والشرقية نتيجة سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من شمال البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
إلى جانب الجيش، برزت خلال السنوات الأخيرة قوات مستحدثة أنشأت عام 2022 مثل قوات درع الوطن التي يتراوح عددها بين
30و40ألف التي كلفت بمهمة استلام المعسكرات في حضرموت ومحافظات الجنوب في ديسمبر2025م.
وهناك قوات الطوارئ، التي يتراوح عددها بين 30و40 ألف عنصر،، وتُعد أكثر مرونة في الحركة مقارنة بالوحدات التقليدية.
أما قوات حراس الجمهورية، التي يقودها طارق صالح، فتشكّل كتلة عسكرية منظمة يُقدّر عددها بنحو20 ألف مقاتل، وتتمركز أساسًا في الساحل الغربي، وتُعد من أكثر التشكيلات تسليحا بسبب الدعم الإماراتي لها خلال السنوات الماضية.
وفي الجنوب، كانت التشكيلات المرتبطة بالمجلس الانتقالي تضم قبل التحولات الأخيرة أكثر من 75 ألف عنصر موزعين في عدن ومعظم محافظات الجنوب، إلا أن إعادة الانتشار والتغيرات السياسية مؤخرًا بعد هزيمة المجلس في حضرموت والجنوب وخروج الإمارات من اليمن أثّرت على تماسكها التنظيمي، فاندمج جزء منها في ترتيبات أمنية محلية، بينما فقدت وحدات أخرى قدرتها على العمل العسكري المنظم.
وتعد قوات العمالقة من أبرز التشكيلات القتالية في المعسكر المناهض للحوثيين، ويُقدَّر عددها بنحو 20 ألف مقاتل، مع حضور في الساحل الغربي وعدن وبعض مناطق الجنوب.
وبذلك يُقدَّر الحجم الإجمالي للقوى المرتبطة بالحكومة والمعسكر المناهض للحوثيين بنحو ٤٠٠ ٠ ألف عنصر، مع تفاوت واضح في مستوى التدريب والانضباط والاندماج المؤسسي.
نوعية التسليح والتجهيز العسكري
لا يختلف نوع السلاح لدى هذه القوات كثيرًا بقدر ما يختلف مستوى تشغيله وإدارته. فالجيش الحكومي يعتمد على تسليح تقليدي موروث من الجيش اليمني قبل الحرب، يشمل أسلحة خفيفة ومتوسطة ومدرعات ودبابات ومدفعية ميدانية، مع قدرات اتصالات ونقل متفاوتة.
أما قوات درع الوطن التي دعمتها السعودية فتُعد من أكثر التشكيلات التي تلقت تجهيزًا حديثًا نسبيًا، حيث تعتمد على مركبات تكتيكية ومدرعات خفيفة وأنظمة اتصالات أفضل، بما يتناسب مع مهام الانتشار السريع وحماية المؤسسات.
وتعتمد قوات الطوارئ على تسليح خفيف إلى متوسط يركّز على العمليات داخل المدن ومهام الانتشار السريع، ما يجعلها أقرب إلى قوة عسكرية ميدانية ذات مهام تدخل سريع، تجمع بين الطابع الأمني والقدرة القتالية.
في المقابل، تمتلك قوات حراس الجمهورية مزيجًا من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة ومدرعات ومدفعية.
كما تعتمد قوات العمالقة على تسليح متوسط وثقيل ومدرعات ووحدات دعم ناري، وتُعرف بقدرتها على خوض عمليات برية هجومية مقارنة ببقية القوات .
أما التشكيلات الجنوبية التابعة للمجلس الإنتقالي فتعتمد على تسليح متنوع لكنه متباين في الجاهزية نتيجة التغيرات التنظيمية التي شهدتها.
كما طوّرت غالبية القوات الحكومية خلال السنوات الأخيرة قدراتهافي مجال الطيران المسيّر، سواء لدى الوحدات النظامية أو بعض التشكيلات غير النظامية، حيث باتت هذه الوسائل تُستخدم في مهام الاستطلاع والرصد، وأحيانًا في الإسناد التكتيكي المحدود.
ميزان القوة مع الحوثيين
تشير الكشوفات الرسمية في صنعاء إلى أن وحدات الجيش التابعة للحوثيين تضم أكثرمن 200 ألف عنصر، إضافة إلى قدرتهم على حشد عشرات الآلاف من عناصر اللجان الشعبية أومايسمى بالتعتبئة والتدخل السريع والدعم.
غير أن هذه الأرقام، شأنها شأن الكشوفات العسكرية في المعسكر الحكومي، قد لا تعكس الحجم القتالي الفعلي على الأرض بدقة، بسبب إدراج أسماء احتياط أو غير فاعلة ضمن السجلات، ما يجعل تقدير القوة الحقيقية مرهونًا بقدرة القيادة على الحشد والتشغيل الميداني
ورغم أن القوات المرتبطة بالحكومة قد تمتلك تفوقًا عدديًا نسبيًا، فإن ميزان القوة في اليمن لا يُحسم بالأرقام فقط.
فالطرف الحوثي رغم تعرضه لأضرار كبيرة بفعل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على مستوى القوى والوسائل لكنه يتمتع ببنية قيادة أكثر مركزية، ويملك خبرة في إدارة الحرب اللاتماثلية، إضافة إلى امتلاكه قدرات صاروخية ومسيرة وقدرات تهديد بحري أثبتت تأثيرها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبذلك يظهر أن التوازن العسكري في اليمن هو توازن تنظيم وإدارة حرب أكثر منه توازن تسليح وعدد.
جاهزية القوات الحكومية لمعركة كبرى
تشير المؤشرات إلى أن القوات الحكوميةقادرة على خوض معارك دفاعية أو تثبيت مناطق أو إدارة انتشار أمني واسع، لكنها تواجه تحديات كبيرة في حال التفكير بعملية هجومية واسعة النطاق.
أبرز هذه التحديات كان يتمثل في تعدد مراكز القرار العسكري قبل أن تسيطر السعودية على هذا القرار بعد خروج الإمارات وتفاوت مستويات التدريب والانضباط، إضافة إلى صعوبة التنسيق العملياتي بين تشكيلات نشأت في ظروف مختلفة.
كما تمثل الجغرافيا عاملًا حاسمًا، إذ إن السيطرة الحوثية على الشمال الغربي تمنحهم أفضلية دفاعية، فيما تتوزع القوات الحكومية على جبهات متعددة، ما يحد من قدرتها على الحشد في نقطة حاسمة.
سيناريو دخول صنعاء
يبقى سؤال دخول صنعاء من أكثر الأسئلة حساسية في الملف اليمني. فحتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية واضحة على تبنّي أي قوة دولية، بما فيها الولايات المتحدة، خطة معلنة لدعم عملية عسكرية واسعة باتجاه العاصمة .
ومع أن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر رفعت من مستوى الاهتمام الدولي بالملف اليمني، فإن المؤشرات العلنية توحي بأن الاستراتيجية الدولية تركز على تقليص القدرات الحوثية المرتبطة بالبحر والتهريب، أكثر من تبنّي مشروع حسم بري شامل لكن الفترة الأخيرة حملت بعض الأنباء من مصادر في الدولة اليمنية عن إمكانية خوض حرب حاسمة مع الحوثيين بدعم أمريكي .
وفي حال التفكير بعملية نحو صنعاء، فإن نجاحها يتطلب شروطًا معقدة، أبرزها توحيد القيادة العسكرية للحكومة، وتوفير غطاء سياسي داخلي وإقليمي واسع، وضمان القدرة على إدارة المدينة بعد السيطرة عليها، وهي شروط ربما اكتمل بعضها.
هل منحت السعودية غطاءً لمواجهة الحوثيين؟
نظرًا لارتباط القرار العسكري للحكومة اليمنية بدرجة كبيرة بالدعم السياسي والعسكري السعودي، فإن أي تحرك واسع ضد الحوثيين يظل مرهونًا بالموقف السعودي. وكانت كل المؤشرات تشيرخلال الفترة الأخيرة إلى أن الرياض لا تبدو متجهة نحو تصعيد عسكري شامل في اليمن، بل تفضّل الحفاظ على مستوى منخفض من المواجهة، مع التركيز على حماية الحدود الجنوبية للمملكة، وتأمين خطوط الملاحة، ومنع تمدد التهديد الحوثي إلى العمق السعودي أو الممرات البحرية.
ويبدو أن الاستراتيجية السعودية كانت تميل في السابق إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه، عبر الجمع بين الضغط العسكري المحدود، والتحركات الدبلوماسية، ومسارات التهدئة، بما يقلل الكلفة الأمنية والاقتصادية للحرب. ولهذا، فإن أي عملية عسكرية كبيرة للحكومة اليمنية، بما في ذلك التقدم نحو صنعاء، ستظل مرهونة بقرار سعودي واضح يمنحها الغطاء السياسي والعسكري.
وقد يكون الموقف السعودي شهد بعض التحول خلال الفترة الأخيرة في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر وتطورات المشهد الإقليمي، وهو ما قد يدفع الرياض إلى إعادة تقييم خياراتها في الملف اليمني وقد يكون الخيار المطروح حاليا على الأرض عسكري .