مقالات وآراء

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 11:29 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/كتب_سعيد النخعي

مظلوميةُ أبين لا تشبهها، في عمقها الرمزي وبنيتها السردية، إلا مظلوميةُ الحسين؛ لا من حيث القداسة، بل من حيث آليات الخذلان، ووهم النيابة، وسوء تقدير موازين القوة. ونخبُها، في سلوكها السياسي، لا يكاد يشبهها إلا نخبُ الكوفة، حين اعتقدت أنها قادرة على أن تكون مركز القرار، بينما كانت، في الحقيقة، هامشًا في صراعٍ أكبر منها.
فكما كانت كربلاء أرضًا لا يقدّسها إلا أهلها، فأغدقوا على ترابها الكرامات والبشارات، كانت أبين أرضًا لم يرَ فيها أهلها إلا مركز الثقل الوطني، فحمّلوها ما لا تحتمل من الرمزية، وألبسوها دورًا أكبر من شروطها التاريخية والسياسية. دعا أهلُ الكوفة الحسينَ، لا لأنهم امتلكوا مشروعًا حقيقيًا لنصرته، بل لأنهم أرادوا أن يمنحوا أنفسهم دورًا أخلاقيًا في صراعٍ لم يكونوا أدواته ولا صُنّاعه. وحين حانت ساعة الفعل، تحوّل الوعد إلى خذلان، وصار الدم المسفوح مادةً لسرديةٍ دينيةٍ عاشت أطول من كل الكيانات السياسية التي رُفعت باسمها.
وفي السياق ذاته، تداعت نخبُ أبين لرفع شعار “عودة الشرعية إلى صنعاء”، وكأن الشرعيةَ كيانٌ شخصي، أو زوجةٌ غائبة ستُعاد إلى بيتها بقرارٍ عائلي. تصرّفوا وكأنهم وحدهم أوصياءُ عليها، وكأن اليمن اختُزل في جغرافيتهم، والتاريخ في موقفهم، والإقليم في خطابهم. لم يكن السؤال: هل نملك أدوات هذا المشروع؟ بل كان الافتراض المسبق: نحن الأَولى، ونحن الأجدر، ونحن البديل.
تداعت نخب أبين كما تداعى أهل الكوفة لنصرة الحسين “نيابةً عن الأمة”، لا بتفويضٍ حقيقي، ولا بقدرةٍ واقعية، بل بوهم أخلاقي يُخفي عجز القوة. وحين اصطدمت الشعارات بجدار الوقائع، لم يبقَ سوى محاولة دفن الفشل بين عدن وأبين، وصياغته كسردية سياسية، لا لتغيير الواقع، بل لتبرير العجز. غير أن هذه السردية، مهما أُعيد تدويرها، لا تملك عمر سردية مظلومية الحسين، ولا عمقها الرمزي، ولا قدرتها على إنتاج معنى يتجاوز لحظته.
لم يُفوَّض أهلُ الكوفة يومًا للحديث باسم الأمة، ولم يكن بإمكانهم أصلًا أن يكونوا ندًّا لخصوم الحسين، الذين امتلكوا المال والنفوذ والأنصار وأدوات السيطرة. وحتى لو صدقت النوايا، فإن الصراع لا يُحسم بالأخلاق وحدها. ذلك هو الإطار السردي ذاته الذي أُعيد إنتاجه في أبين: نوايا كبيرة، وخطاب عالٍ، في مواجهة قوى تملك أدوات الفعل والتأثير، بينما لا يملك الخطاب سوى لغته.
أبين جزءٌ من اليمن، لكنها ليست اليمن كلَّه. وأهلُها جزءٌ من اليمنيين، لكنهم ليسوا الأمة بأسرها. ولو أُدركت هذه الحقيقة مبكرًا، لما تكرّر وهم الكوفة في ثوبٍ معاصر، ولما جرى الخلط بين الرمزية والقدرة، وبين الموقف الأخلاقي والفعل السياسي. فمظلوميةُ الحسين لم تنتهِ باستشهاده، لأنها تحوّلت إلى رمزٍ كوني للخذلان والعدالة المؤجلة، كما أن مظلوميةَ أبين لم تنتهِ بخروج هادي من السلطة، لأنها في جوهرها مظلومية إقصاءٍ سياسي، وسوء تقديرٍ للدور، وتضخيمٍ للذات.
وكما ظلّت الكوفة، بين الفينة والأخرى، تستدعي ماضيها محاولةً تبرئة حاضرها، ظلّ نواحُ المزايدين على تمثيل أبين يتكرّر، مع علمهم أن هذا النواح لن يعيد لهم ما فقدوه، ولن يمنحهم العائد ذاته الذي منحته لحظات الفوضى السابقة. غير أن القاسم المشترك بين المظلومتين يظل واحدًا: وهمُ الطرف الثالث.
فالكوفة توهّمت، حين احتدم الصراع بين قطب الشام وقطب المدينة، أنها قادرة على أن تكون قطبًا ثالثًا، دون أن تمتلك مقومات أيٍّ من الطرفين. وكذلك توهّم بعض أهل أبين أنهم طرفٌ ثالث بين قطب الوحدة وقطب الانفصال، رغم أنهم لا يملكون أدوات أيٍّ من المشروعين. وفي الحالتين، لم يكن الوهم بريئًا، بل كان ثمنه فادحًا، يُدفع من رصيد الأرض والإنسان والذاكرة.
سعيد النخعي
26/يناير/2026م