مقالات وآراء

الإثنين - 23 مارس 2026 - الساعة 10:35 م بتوقيت اليمن ،،،

مقال / محمد المسبحي



أي وزير يكتشف ملفات فساد داخل وزارته يجد نفسه أمام معادلة معقدة إما أن يصطدم مباشرة ويدخل في حرب مفتوحة قد تطيح به أو يسكت فيتحول إلى جزء من المشكلة. لكن بين هذين الخيارين توجد منطقة أذك وهي إدارة المعركة بهدوء دون التفريط بالهدف.
فالوزير الذي يريد التعامل مع الفساد دون تصادم مباشر لا يبدأ بمهاجمة الأشخاص وانما يبدأ بتغيير البيئة التي سمحت للفساد أن ينمو. يراجع الإجراءات يوقف منافذ الهدر.ويعيد ضبط آليات الصرف والتعاقد بحيث تصبح المنظومة نفسها طاردة للفاسدين. هنا يشعر المتورطون بأن الأرض بدأت تضيق تحتهم، دون أن يُستهدفوا علنا في البداية.
وفي الوقت نفسه، يعتمد على القانون كدرع أساسي فلا يتحرك بردود فعل أو اندفاع بل يوثق كل شيئ ويحول الملفات إلى الجهات الرقابية المختصة بحيث تتحول المواجهة من صراع شخصي إلى مسار مؤسسي يصعب الطعن فيه. هذا الأسلوب يحميه من الاستهداف المباشر، ويمنح قراراته شرعية قوية.
لكن الأهم من ذلك أنه لا يعمل وحيدا يبني شبكة من النزيهين داخل الوزارة ويخلق حالة من التماسك الداخل بالتوازي مع كسب دعم سياسي من الجهات العليا لأن أي وزير يدخل معركة الفساد دون غطاء سيُترك في منتصف الطريق كذلك يتعامل بذكاء مع الرأي العام، فلا يفتح كل الملفات دفعة واحدة، بل يكشف تدريجيا ما يعزز ثقة الناس ويضع الفاسدين تحت ضغط مستمر.
هذا النوع من الإدارة يقوم على التدرج لا الانفجار وعلى تفكيك الشبكات بدل استفزازها دفعة واحد. فالفساد في العادة ليس فردا وانما منظومة مترابطة، وإذا أُعلن الحرب عليها بشكل مباشر فقد تتوحد لإسقاط من يهدده. أما إذا تم تفكيكها خطوة خطوة فإنها تتآكل من الداخل دون أن تجد فرصة للتماسك.
في النهاية الوزير الناجح ليس من يتجنب التصادم كليا ولا من يندفع إليه بلا حساب بل من يدير توقيته وشكله بذكاء. لأن مواجهة الفساد حتمية لكن الطريقة هي التي تحدد إن كان سيبقى ليكمل المعركة… أو يُستبعد قبل أن تبدأ نتائجها بالظهور.