علوم وتقنية

الثلاثاء - 05 مايو 2026 - الساعة 08:39 م بتوقيت اليمن ،،،

الوطن العدنية/متابعات

قد تبدو الأحلام للوهلة الأولى كما لو كانت عشوائية لا تخضع لقاعدة أو نظام، ولكن دراسة جديدة أجريت في إيطاليا رصدت سلسلة من العوامل التي تتحكم في الأحلام بحيث تبدو مرة واقعية تنبض بالحياة، وفي مرات أخرى، تظهر خيالية أو سريالية لا تمت للواقع بصلة.
وتتأثر الأحلام عادة بشخصية كل فرد والتجارب الحياتية التي يمر بها في ساعات اليقظة بل وبعض الأحداث العالمية التي قد تؤثر على الحياة الشخصية للشخص.
وشملت الدراسة، التي أجراها فريق بحثي من معهد (أي إم تي) للدراسات العلمية المتقدمة، ومقره في مدينة لوكا الإيطالية، 287 شخصاً تتراوح أعمارهم ما بين 18 و70 عاماً، حيث قام الباحثون على مدار أسبوعين بتسجيل مجريات الحياة اليومية للمتطوعين، وجمع بيانات تفصيلية تتعلق بأنماط النوم والقدرات الإدراكية والسمات الشخصية والصفات السيكولوجية الخاصة بهم.


واستخدم الباحثون منظومة متقدمة تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل فحوى الأحلام الخاصة بالمتطوعين وتركيباتها المختلفة، بحيث يتسنى دراسة الأحلام وفق أسلوب منهجي ومعايير قابلة للقياس.
وأظهرت النتائج أن الأحلام ليست عشوائية أو فوضوية، بل أنها تعكس تفاعلات مركبة بين عوامل داخلية كالسمات الشخصية وأنماط النوم والميول النفسية، ومؤثرات خارجية مثل الأحداث العالمية التي تؤثر في حياة المجتمعات بشكل عام مثل جائحة كورونا على سبيل المثال.
وعن طريق عقد مقارنات بين الأحداث التي يمر بها الشخص في حياة اليقظة، وما يرويه عن الأحلام التي شاهدها في نومه، وجد الباحثون أن العقل البشري لا يكتفي بمجرد استرجاع أحداث النهار أثناء النوم ليلاً في صورة أحلام، بل أنه يعيد تشكيل هذه الأحداث، لدرجة أن الأماكن المعتادة للشخص مثل مكان العمل أو المدرسة أو المستشفى لا تظهر عادة في الحلم بشكلها الحقيقي، بل كثيراً ما تبدو ذات صفات مختلفة تتدخل فيها عوامل مختلفة مثل وجهة نظر النائم ومنظوره لتلك الأماكن، وإن كانت تظل تبدو كما لو كانت أماكن حقيقية نابضة بالحياة.
وأكدت التجربة أن الحلم يقوم بالفعل بإعادة بناء عالم الواقع ويمزج بين الذكريات وتجارب خيالية وأخرى يتوقعها الشخص في ذهنه، مما يؤدي إلى خلق سيناريوهات جديدة قد تبدو في صورة افتراضية أو حتى سيريالية.


وتقول فالنتينا إيلسي، رئيس فريق الدراسة من معهد (أي إم تي) البحثي: "لقد أظهرت نتائج التجربة أن الأحلام ليست مجرد انعكاس لتجارب الماضي، إنما هي عملية ديناميكية تتشكل حسب هوية كل شخص ونمط الحياة التي يعيشها"، وأضافت في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الأبحاث العلمية: "عن طريق جمع كمية كبيرة من البيانات تخص المتطوعين بواسطة تطبيقات حوسبية، استطاع الفريق البحثي الكشف عن أنماط في محتويات الأحلام لم يكن من الممكن رصدها في وقت سابق".
وأكدت الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية Communication Psychology المتخصصة في دراسة علم النفس أن الأحلام تختلف بشكل كبير من شخص لآخر، وأن الشخص الذي يتسم بشرود الذهن على سبيل المثال، عادة ما تكون أحلامه مجزأة ودائمة التغير، في حين أن الأشخاص الذين يعتقدون في قرارة أنفسهم بأهمية الأحلام، عادة ما تكون أحلامهم ثرية ونابضة بالحياة بشكل أكبر مقارنة بغيرهم.


ورصد الباحثون أيضاً تأثير الأحداث العالمية على الأحلام، حيث أظهرت البيانات التي جمعها باحثون من "جامعة سابينزا" في روما خلال فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وتم مقارنتها لاحقاً بالنتائج التي توصل إليها الفريق البحثي من معهد (أي إم تي) أن الأحلام خلال تلك الفترة كانت تتسم بالانفعالية وكثيراً ما كانت تتعلق بأفكار مثل القيود. ومع بدء انحسار الجائحة، بدأت هذه الأنماط من الأحلام تتراجع، مما يشير إلى أن التغير في فحوى الأحلام يرتبط برد الفعل النفسي الذي يعتمل في نفس الفرد حيال الأحداث العالمية الرئيسية.


وانصب اهتمام الباحثين خلال الدراسة على ثلاثة عوامل رئيسية، وهي التحديد الكمي لأوجه الشبه أو الاختلاف بين ما يشاهده المتطوع في الحلم وبين ما يرويه عن تجاربه الحياتية في ساعات الاستيقاظ من أجل تحديد حجم تأثير أحداث الحياة اليومية على دلالات الأحلام. وثانياً قياس السمات الإدراكية والشخصية وأنماط النوم الخاصة بكل شخص على محتوى الأحلام التي يراها المتطوع أثناء النوم ومدى قدرته على استرجاعها بعد الاستيقاظ. وثالثاً ما إذا كانت الأحداث العالمية مثل جائحة كورونا التي استمرت قرابة أربع سنوات، وكانت بمثابة عامل ضغط نفسي، قد ألقت بظلالها على دلالات الأحلام للأشخاص الذين خاضوا هذه التجربة، مع متابعة سرعة تغير طبيعة الأحلام مع تغير المؤثرات الخارجية التي يتعرض لها الفرد بشكل شخصي أو في المجتمع ككل.
وسلطت الدراسة الضوء أيضاً على الدور الكبير الذي يمكنه أن يضطلع به الذكاء الاصطناعي في فهم الأحلام وتفسيرها. فقد استطاع برنامج الذكاء الاصطناعي الذي استخدمه الباحثون خلال التجربة في رصد معاني وتركيب الأحلام التي رواها المتطوعون بدقة بالغة تفوق قدرات الخبراء البشر الذين قاموا بتقييم هذه الأحلام بشكل مستقل، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام إشراك تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الوعي والذاكرة والصحة النفسية على نطاق أوسع، وبدرجات أكبر من الاتساق.